ما استعدادنا للسنوات الـ 10 القادمة؟ (2 من 2)

استكمالاً لما بدأته في الجزء الأول من موضوع استعدادنا للسنوات العشر القادمة، وبعد أنْ تبيّنتْ أهم التقديرات المرتبطة بالجوانب الاقتصادية والمالية والاجتماعية، أخصص الحديث في هذا الجزء لأهم الركائز الرئيسة كعناوين عليا للعمل الواجب بذله، قبل الوعود والأقوال المعتاد إطلاقها! والتأكيد على ضرورة وأهمية ربط أي جهد وعمل يخطط له بتلك الركائز، سواء كان المنظور الزمني يوماً واحداً أو مائة عام.

إنَّ (1) التأخر الذي صاحب تنفيذ المشروعات التنموية، المقدر بلوغ قيمتها أكثر من 1.2 تريليون ريال (لتفاصيل أكثر، الرجوع لمقال: المشروعات التنموية.. فاتورة التعثّر أكبر! صحيفة الاقتصادية، العدد 7182، في 10 يونيو 2013م). و(2) عدم تحقق الكثير من الأهداف والبرامج التنموية (الصحة، التعليم، النقل، الخدمات البلدية، العمل، الحماية الاجتماعية، إلخ)، رغم توافر الموارد المالية بصورةٍ فاقتْ تقديرات خطتي التنمية الثامنة والتاسعة على التوالي. و(3) تفاقم معدلات استهلاك الموارد المحلية (الكهرباء، الوقود، المياه، الغاز) بصورةٍ فاقت معدلات نموها السنوية 3 أضعاف معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد. و(4) تآكل القوة الشرائية للأفراد نظير الفقاعات السعرية في الأسواق المحلية (السوق العقارية، سوق التجزئة والسلع الاستهلاكية، سوق السلع المعمرة)، وما ترتب عليها من ارتفاع لمديونيات الأفراد لأكثر من 654 مليار ريال. و(5) انخفاض كفاءة السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية، نتيجة انفصالها على أرض الواقع، وعدم ترابطها المسبق على طاولة المخططين الاقتصاديين. إلى آخر تلك (المطبّات) التي أعاقت تقدم واقعنا المعاش إلى أهدافنا المنشودة، التي حدّتْ من استفادة احتياجاتنا التنموية الملحّة من مواردنا المالية الوفيرة بصورةٍ أكفأ مما تحقق.

أؤكد على تجرثم مفاصل أجهزتنا المعنية بكل ما تقدم ذكره بذات الداء، أو قُل (الفيروس) ذاته، الذي قد تظهر أعراضه الظاهرة متباينة بعض الشيء، إلا أنها في حقيقة الأمر متطابقة تماماً على مستوى التشخيص المرَضي لأعماق الحالة. بناءً عليه يمكن الحكم بأن القضاء على الداء (الفيروس) المشترك وراء كل ما تقدم ذكره أعلاه، هو أولى الخطوات الحقيقية للإصلاح، وتحقيق الإنجاز المشروع لكل الخطط والبرامج المستهدفة للعمل الإنمائي. فما هذا الداء العجيب الغريب؟

إنه الغياب شبه التام للركائز الثلاث: (1) غياب الرؤية. (2) نقص المعرفة بالكيف. (3) غياب الرقابة والمحاسبة. متى ما غابت هذه الركائز الثلاث، فاعلم تمام العلم أن النتائج المنتظرة لن تبتعد عن ”الصفر” إن لم تكن أدنى منه. ولنفهم الأهمية القصوى لها في سياق ما نتناوله هنا حول مستقبلنا، سواء لسنة قادمة أو لأكثر منها، سأفسّرها واحدة واحدة، وربْطها بما يعنينا بالدرجة الأولى.

لكي يتحقق النجاح والعبور الآمن نحو المستقبل، لا بد من توافر (1) الرؤية الشاملة والواحدة للبلاد والمجتمع، أي باختصار ”دليل الطريق الذي سنسير عليه نحو المستقبل”. يتم الحراك المؤسساتي وللأفراد وكل جزء من الوطن تحت مظلة هذه الرؤية، فلا يُقبل من أي طرفٍ كان أن يخرج عنها، أو يتخذ أي اتجاهٍ يتعارض مع محدداتها. وعليه، تتولى كافة المؤسسات الحكومية والأهلية والمفكرين رسم تلك الرؤية الشاملة، ويتم إقراراها من ولي الأمر، ويُلزم الجميع بالالتزام التام بها وعدم مخالفتها لأي سببٍ كان. من أهم أمثلة ما يجب ترسيخه ضمن مبادئ تلك الرؤية ”الاهتمام بالإنسان السعودي، وبذل أقصى الجهود والإمكانات المتوافرة، لأجل تحقيق أعلى مؤشرات رفاهيته، والارتقاء برعايته الصحية والتعليمية والبيئية، وتوفير فرص العيش والعمل الكريمة، وضمان مشاركته في تنمية وإنماء مقدرات وطنه”، إنه مبدأ عام يُفترض التوسّع في تفسيره ضمن مخطوطة الرؤية الشاملة، والأهم من كل ذلك أنْ يخرج كائناً من كان عنه، مع الأخذ بعين الاعتبار بقية المبادئ؛ كضمان حماية موارد الدولة والبلاد من العبث والفساد وسوء الإدارة والاستغلال، وحماية كيان الأسرة السعودية من أية تهديدات مادية أو أمنية أو اجتماعية، والعمل على رفع مساهمة الشباب في صنع القرار والإدارة في المجتمع السعودي، إلى آخر مثل تلك المبادئ التي أصبح متعارفاً العمل بها في كافّة الدول المُنجزة، التي نجحت في التقدّم بخطواتٍ غير مسبوقة، وأمثلتها إقليمياً ودولياً حاضرة ولا تتطلب التذكير..

بعد أن تحدّدت معالم وحدود الرؤية الشاملة للبلاد، لم يعد هناك مجال للاجتهاد الخاص المنفصل عن الرؤية والأهداف العامّة، فكل ما على أيّ من الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية والقطاع الخاص هو (2) المعرفة التامة بالكيفية الواجب اتباعها لأجل تحقيق مبادئ وأهداف الرؤية الشاملة! بمعنى أن الأهداف غدت واضحة ومعلنة، وما على أي من تلك الأطراف سوى المضي قدماً نحوها ”دون لف أو دوران”، والعبرة هنا ليست ببروبجاندا الوعود بإنجاز ما لم يسبق له مثيل، لنأتي في نهاية الأمر دون أن نرى حتى 1 في المائة من تلك الوعود على أرض الواقع! أؤكد أن العبرة هي ”بكيفية” تحقيق هذا الوزير أو المسؤول لما أصبح معلوماً ومحدداً كمهام ومسؤوليات وأهداف، أركز هنا على هذه الـ ”كيف”، التي بناءً عليها سيتم تقييم كفاءة أي مسؤول كان، إن نجح فيها استمر في منصبه، وإن فشل فلا آمن على مقدرات البلاد والعباد من إقالته فوراً من منصبه. هذا يقودنا للمطالبة بوضع ذلك المحدد ”الكيفية المعرفية” ضمن اشتراطات ومتطلبات تعيين أي مسؤولٍ في أي منصب، ويمكن معرفة إمكانات المرشحين من خلال امتحانات ومقابلات خاصة، يتم عقدها لأجل هذا الهدف.

تبقى الخطوة الأخيرة من ركائز النجاح والتفوق لأجل عبور المستقبل، ممثلةً في (3) فرض الرقابة والمحاسبة، والعمل بمبدأ الثواب والعقاب على كافة النشاطات والمهام المنوطة بأي مسؤول، عبر قياس ما أُنجز مع ما كان مخططاً أو مستهدفاً على مستوى التكلفة والوقت المستهلك ومعايير الجودة الأخرى.

قد يأتي من يقول: أنت تحلم! فأقول له: المنجزات تبدأ بالأحلام، لتتحول تالياً بالإيمان إلى مشروع عمل ثم إلى مُنجزٍ له قيمته الحقيقية المضافة إلى الفرد والمجتمع، قبل أن تضاف إلى مصفوفة الأرقام المرصوصة في مختلف تقارير ”منجزات خطط التنمية”..

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/10/article_769174.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

2 تعليقين على: ما استعدادنا للسنوات الـ 10 القادمة؟ (2 من 2)

  1. موقع رائع للوطني المبدع الأستاذ:عبدالحميد العمري

    الله يوفقك .

  2. اتمنى يا استاذ عبدالحميد تناقش موضوع الرهن العقاري وتأثيره على الأقتصاد السعودي مستقبل وكذلك على المواطن وهل تجربة امريكا المريرة قد تتكرر في السعودي ام لا .