«ردم» فجوة السياسات

استكمالاً لما بدأتُ الكتابة عنه فيما يختص بنتائج إجراءات توطين سوق العمل، كانعكاس للغة السياسات العمالية والإجراءات المنتهجة من قِبل وزارة العمل، وأنْ تلك السياسات وما يتبعها من نتائج يتم الاحتفال في الوقت الراهن بما حققته! تخالف كثيراً سياساتٍ اقتصادية أخرى تستهدفُ تعزيز النمو الاقتصادي ”القيمة المضافة”، وتعزيز ركائزه على مستوى تنويع قاعدته الإنتاجية، ومحاولة رفع مستوى دخل الفرد.

أشرتُ في مقال السبت الماضي بعنوان: ”كملتْ”.. تعليم مشرّق وسوق عمل مغرّب، لبعض المؤشرات المؤكّدة لهذه الحقيقة، وأنّها لا تزال ماضيةٌ بفعلها في البلاد والعباد إلى وقتنا الراهن، وأنّ استمرار تلك ”الفجوة” بين السياسات الاقتصادية سيؤدي في نهاية الطريق إلى اصطدامنا بآثارها الكوارثية؛ لعل من أبرزها الواجبة التحذير، أنّ سوق العمل بصفته مستودع أحد أهم محددات الإنتاج لأي اقتصاد، أصبح بالنسبة للعمالة الوطنية في منطقةٍ أكثر بعداً عن: (1) أنّ تحقق زيادة توطين الوظائف، يقتضي رفع إنتاجية المواطن العامل المقترنة بزيادة مستوى دخله. (2) أنّ السياسات الاقتصادية تقاس كفاءتها بمدى مساهمتها في تعزيز عزم مكونات النمو الاقتصادي، وخلاف ذلك من شأنه إضعاف هذا الجانب.

كشف تحليل ما أظهرته نتائج مؤشرات أداء الاقتصاد الوطني حتى الآن خلال الأعوام الثلاثة الماضية عما لا يخدم ما تحلم به خطّة التنمية؛ إذْ مقابل زيادة معدلات التوطين في القطاع الخاص من 10.4 في المائة بنهاية 2010 إلى 13.4 في المائة بنهاية 2012، وزيادة حجم العمالة الوطنية من 623.5 ألف عامل بنهاية 2010 إلى 1.1 مليون عامل، انخفض المتوسط العام لأجور العمالة الوطنية بنحو 10.2 في المائة، وتضمنتْ تلك الزيادة العددية للعمالة الوطنية انخفاضاً في أعدادها للنشاطات الاقتصادية الأعلى عائداً على الاقتصاد الوطني، والأعلى على مستوى متوسط الأجور فيها، فيما انحصرتْ الزيادة المفرطة داخل النشاطات الاقتصادية الأدنى في كلٍ من مساهمتها في النمو الاقتصادي، ومتوسط الأجور، ومستوى المؤهلات التعليمية والمهارات اللازمة لها.

إنّها نتائج تتحدث في حقيقة الأمر عما هو أسوأ من ”السعودة الوهمية”، إذْ بدْءاً من العام الجاري سنشهد انعكاسات سلبية لنتائجها، وهو ما بدأ فعلياً في الانكشاف على السطح الاقتصادي المحلي، وعادةً الآثار السلبية لأي سياساتٍ اقتصادية معينة إذا ما كانتْ ذات أثرٍ سلبي عميق، وكانتْ في الوقت ذاته مفرطةً في إجراءات تنفيذها؛ فإنها لا تتعدى عامين إلى ثلاثة أعوام كفترة زمنية لتظهر مساوئها، وهو ما تم التحذير منه في بداية تنفي تلك السياسات حينئذ ”على الأقل من قبل الكاتب، وإثباتات ذلك متوافرة لمن أراد”، وها هي تتوالى في التكشّف تباعاً، ولنْ يبتعد وقت اكتمال نتائج فرضت نفسها كتشوهاتٍ ضارة على سطح المشهد الاقتصادي عن نهاية العام الجاري، أو منتصف 2014 بحدٍّ أقصى.

إنّ من أبرز تلك النتائج السلبية: (1) استمرار انخفاض مستوى الدخل ”الأجر” الحقيقي للمواطن العامل، وها هو اليوم لا يتجاوز بالقيمة الاسمية سقف 4801.4 ريال شهرياً ”بالقيمة الحقيقية يعادل 2160.6 ريال شهرياً”. (2) لتعويض ذلك الضعف المتزايد في مستوى الأجر الاسمي والحقيقي على حدٍّ سواء، سيضطر المواطن إلى زيادة الاقتراض، وقد اضطر فعلياً إلى ذلك الإجراء المحفوف بالمخاطر العالية، حيث زادتْ القروض الاستهلاكية على الأفراد ”قروض النظام المصرفي + قروض نظام الظل المصرفي” خلال عامين تقريباً بنحو 197 مليار ريال، لتستقر عند 654 مليار ريال بنهاية الربع الأول من عام 2013، أي نحو 25 في المائة من حجم الاقتصاد المحلي، وليصل مضاعف القروض إلى متوسط الأجر الشهري لنحو 54 مضاعفاً!

(3) نظراً للفجوة بين كلٍ من السياسات الاقتصادية، ولأن السياسات العمالية لا ولم تلبي احتياجات الاقتصاد الكلي، كان من أخطر تلك الآثار أنَّ معدلات استقدام العمالة الوافدة زادتْ بصورةٍ غير مسبوقة، وحدث كل ذلك خلال الفترة نفسها التي زادتْ فيها معدلات التوطين، حيث زادت العمالة الوافدة بنحو 1.1 مليون عامل في القطاع الخاص، مقابل زيادة العمالة الوطنية بنحو 410 آلاف. ترتّب على ذلك ارتفاع معدلات ”التسرّب الاقتصادي” ممثلةً في تحويلات العمالة الوافدة إلى الخارج من نحو 98.2 مليار ريال خلال 2010 إلى نحو 125.2 مليار ريال خلال 2012، ويُقدّر للزيادة القياسية في تلك التحويلات للخارج حسبما أظهرته النشرات الشهرية الصادرة عن مؤسسة النقد إلى نهاية مايو الماضي، أن ترتفع تلك التحويلات خلال العام الجاري لنحو 140 مليار ريال، أي بارتفاعٍ يفوق 42 في المائة عما كانت عليه خلال 2010.

(4) إنّ الفجوة القائمة والمتزايدة في الاتساع بين السياسات الاقتصادية؛ ستؤدي إضافةً إلى ما سبق ليس إلى بقاء الاقتصاد الوطني رهيناً لتقلبات أسعار النفط، بل إلى زيادة وتكريس حالة الارتهان تلك! إذْ كما تُبيّن هيكلة الاقتصاد على مستوى أنشطته الرئيسة ”الزراعة، الصناعة، الخدمات”، أنَّ نشاط الزراعة ”شكّل 3.4 في المائة من حجم الاقتصاد، فيما بلغ معدل توطين وظائفه 1.8 في المائة بنهاية 2012” لا يزال في أدنى مستوياته مساهمةً في النّمو الحقيقي للاقتصاد الوطني، لم تتجاوز 0.2 في المائة طوال العقد الماضي. ونشاط الصناعة ”شكّل 43.4 في المائة من حجم الاقتصاد، فيما بلغ معدل توطين وظائفه 12.5 في المائة بنهاية 2012” ما زال يعتمد في الدرجة الأكبر على النفط والمعادن بنحو 44.6 في المائة من كامل قيمته، فيما لا تتجاوز حصة الصناعات التحويلية غير النفطية 27.7 في المائة من حجم نشاط الصناعة، ونحو 12 في المائة فقط من إجمالي حجم الاقتصاد الكلي. هذا النشاط حافظ على مساهمته في النمو الحقيقي للاقتصاد بمستوياتٍ ممتازة، لكنّه سرعان ما يقلّص من النمو إذا ما تعرّضتْ أسعار النفط للتراجع كما حدث في عام 2009، حينما سجّل خفضاً بمعدل النمو بلغ -1.1 في المائة حينما نما الاقتصاد بنحو 1.9 في المائة، كان لنشاط الخدمات الدور الأكبر في تحقيقه لذلك النمو الإيجابي. وأخيراً شكل نشاط الخدمات ما نسبته 53.2 في المائة من حجم الاقتصاد، فيما بلغ معدل توطين وظائفه 18.4 في المائة بنهاية 2012.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/01/article_766808.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.