«كملتْ».. تعليم مشرّق وسوق عمل مغرّب

أحياناً ينتاب المرء شعورٌ محبط، ومرّاتٌ أخرى تجده يخبط بيده على رأسه من ”حوسة” ما كشفتْ له نتائج تحليل أرقام ومؤشرات أداء الاقتصاد الوطني! إليك مثال بسيط على هذه ”الحفرة” التي – كما يبدو – أنَّ من سقط فيها لم يعلم حتى الساعة أنّه يدور فيها ضد عقارب الساعة، وأنّه في الأصل لا يعلم باستقراره فيها منذ عقود.

يحتل نشاط النقل والتخزين والاتصالات المرتبة الثالثة في ميزان ”القيمة المضافة” للاقتصاد الكلي بنحو 15.0 في المائة من الإجمالي، ويعد من أسرع النشاطات الاقتصادية نمواً، ومن أعلاها جدوى وعلى مستويات الأجور، إذْ لم تتجاوز مساهمته في ”القيمة المضافة” للاقتصاد قبل عام 2000م أكثر من 7.6 في المائة. في المقابل تكتشف أنْ ”حفلة السعودة” التي بدأتْ بضجيجٍ غير مسبوق من مطلع 2011م إلى يومنا هذا لم تشمل هذا النشاط تحديداً؛ حيث فقدت العمالة الوطنية في هذا النشاط خلال 2011-2012م نحو 79.3 ألف وظيفة، وانخفض معدل التوطين فيه من 15.3 في المائة إلى 12.3 في المائة! طبعاً هذه التراجعات اللافتة لم تكن لتُرى بالعين المجردة أمام فلاشات ”حفلة السعودة”، ولا حتى بالإمكان سماع أصوات من فقدوا تلك الوظائف وسط ضجيجها. هنا يتأكّد لك من يصمم وينفذ السياسات العمّالية يقبع في حفرةٍ غير تلك الحفرة التي يقبع فيها مصصم سياسات التخطيط والإنتاج!

عُد خطوة إلى الوراء قليلاً؛ أنظرْ فيما تدفع به أروقة التربية والتعليم العام والعالي من مخرجاتٍ نحو أبواب سوق العمل، رأيتَ في المثال أعلاه جزءاً من الانفصال التام بين السياسات داخل أسوار سوق الإنتاج والعمل، وهنا سترى انفصالاً أكبر خارج الأسوار! عشرات الآلاف من الشباب والفتيات صرموا من أعمارهم التي لا تعوّض جهداً لا يُستهان به لأجل شهاداتٍ لا يوجد لها فرص عمل! وتخصصاتٍ معدودة تفضّلتْ بها أروقة التعليم هي عينُ الطلب وغاية الأمل! المحطة الأخيرة ”التربية والتعليم” هي في الأصل نقطة البداية، وهي مبتدأ الإصلاح والتطوير، وبموازتها لا تقل أهمية ردْم الهوّة السحيقة بين السياسات الاقتصادية التي تُدير ركائز الاقتصاد، وهذه سيكون لها حديثها الآتي والموسّع.

اتفقنا ونتفقُ جميعاً على أهمية مواجهة معضلات التعليم، غير أن سبل ووسائل العلاج تعددتْ مذاهبها على نحوٍ أفقدنا سلامة التشخيص والحل على حدٍّ سواء! وتحولت القضية بكامل ثقلها الحضاري من مشروعٍ عملي محدد الخطوات، ومشروع مرحلي مبرمج بالزمن إلى قضيةٍ خلافية لا تنتهي رحاها ليزداد ثقل الحمولة، متجاهلين المخاطر الكبرى لاستمرار مثل تلك الاختلالات وفق صورتها الراهنة، وأن الزمن المتاح ضيقٌ جداً خاصةً في ظل تسارع وتائر التغيير من حولنا في جميع أرجاء العالم، لن أخوض في سرد تلك الاختلالات التي أصبحت جزءاً من حياتنا العامّة، فالأفضل الانطلاق من ثراء التجارب الدولية بعد إصلاحها وتطويرها لأنظمتها ومناهجها التعليمية، التي جنت ثمارها وأوصلتها إلى سدّة القرار العالمي.

في الجزء الشرقي من العالم، حققت مجتمعاته معادلة التقدم انطلاقاً من التربية والتعليم؛ حينما اعتبر الإنسان محوراً للتنمية، ونُمّيَت مهاراته الحياتية لحل مشاكل الاتصال والعمل والإدارة، إضافةً إلى تنمية مهاراته بالاعتماد على منتجات التكنولوجيا، والاعتراف بأشكال التعليم الحديثة كالتعلّم عن بعد والتعليم المفتوح، وتنويع مناهج التعليم الثانوي وربطه بالتنمية الصناعية، ورفع كفاءة المعلمين وأجورهم ومكانتهم الاجتماعية. أمّا في الولايات المتحدة فقد انطلقوا في تطوير التعليم من الضرورات الأخلاقية، وأنه أداة لصناعة القوة والتقدم، وأن يكون تطوير التعليم نوعياً يراعي التحولات العالمية المتسارعة، ويتجاوز مجرد تطوير المناهج وأساليب التدريس إلى ابتكار أنظمة تعليمية جديدة، وتجديد أساليب التربية، بهدف تنمية الإبداع والقدرة على التفاعل مع المستقبل، واعتماد خطط استراتيجية تستند إلى رؤية مستقبلية طويلة الأجل.

في ألمانيا كانت التجربة أكثر ثراءً بصورةٍ أكثر لافتة؛ إذ تركّزت إضافةً إلى جميع ما تقدّم ذكره على الربط بين التربية والممارسة الواقعية وفق منهجية شاملة للتدريب أثناء الدراسة، وإضفاء السمة العالمية على المؤسسات التربوية، والتنويع في التعليم بإلغاء الاختلافات بين التعليم العام والفني والمهني، وإلغاء فترة الامتحانات بالاعتماد على مجموعة اختبارات تدريجية أثناء الدراسة للقضاء على رهبتها لدى الطلاب، والتخفيف من تفصيلات المناهج الدراسية وتأهيلهم على اختيار المعلومات وحل المشكلات بأنفسهم. والاهتمام الجاد باستغلال الوقت واعتباره أهم الموارد؛ بما يقلص حجم المناهج غير المجدية أو المتكررة، وتحقيق الاستغلال الأمثل لوقت المعلمين والطلاب.

إنّ حل تلك القضايا الشائكة في الجسد التربوي والتعليمي لدينا، يمثل أولى الحلول المقترحة للارتقاء بمستويات التنمية بوجهٍ عام، وتطوير سياسات السعودة بوجهٍ خاص؛ بل إن ذلك كفيلٌ حتى بإلغاء أغلب الأسباب التي دعت لارتجال كثيرٍ من سياسات السعودة وفرضها على قطاع الأعمال. أعتقد أن فصْل اختلالات نظام التعليم عن اختلالات سوق العمل من أكثر الأخطاء فداحةً، إذ إن تراكم وتفاقم الأولى أفضى بصورةٍ أساسية إلى اشتعال وتورّم الأخيرة إلى درجةٍ استعصتْ تماماً على أي حلٍّ تقليدي.

وعليه، فإن بداية معالجة اختلالات سوق العمل تنطلق في حقيقتها من ضرورة معالجة اختلالات أنظمة التربية والتعليم أولاً. وبالنسبة لعشرات الآلاف من العاطلين عن العمل في الوقت الراهن، فبالإمكان محاصرتها مؤقتاً من خلال الخطوات التالية:

1) البدء الفعلي والجاد بالمعالجة الجذرية لاختلالات النظام التعليمي، والاستفادة القصوى من ثراء التجارب العالمية بعيداً عن الاجتهادات غير المدروسة، مع أهمية استمرار مراجعتها وتطويرها كل خمس سنوات.

2) اعتماد مسارات عاجلة؛ تتركز على إعادة تأهيل وتعليم وتدريب المخرجات التعليمية الراهنة التي لا ترتقي مؤهلاتها إلى مستوى متطلبات التوظيف في القطاع الخاص.

3) يخصص لمنسوبي تلك البرامج التدريبية والتأهيلية رواتب مجزية تبدأ بـ 50 في المائة إلى 75 في المائة من إجمالي رواتب وظائفهم المتوقعة مستقبلاً، واحتساب تلك الفترة التأهيلية ضمن سنوات الخدمة الوظيفية التي تدخل ضمن فترة احتساب استحقاق التقاعد.

4) تمويل رسوم تلك البرامج المقترحة من صندوق الموارد البشرية بالكامل.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى، حول الاختلالات التالية في سوق العمل، والانفصال القائم بين السياسات الاقتصادية والإنتاجية.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/29/article_766347.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.