المتقاعدون.. بأي ذنب يهمشون؟

يُقدّر إجمالي عدد المتقاعدين الأحياء والمتوفّى منهم والمستفيدين من الورثة من معاشات التقاعد حتى نهاية 2012 في السعودية بأكثر من 1.3 مليون مستفيد، دفعتْ لهم كلٌّ من مؤسستي التقاعد والتأمينات الاجتماعية خلال العام الأخير أكثر من 55 مليار ريال كمعاشاتٍ تقاعدية، أي بمتوسط شهري يبلغ 3701 ريال لكل مستفيد.

يظل ملف المتقاعدين، من أكثر الملفات التي دارت بين مكاتب الصادر والوارد لدى مختلف الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، واستغرقت سنواتٍ عديدة ومديدة، لكن دون أن تصل إلى مستقرٍّ لها يروي الظمأ، ويسد الجوع. إزاء تلك الرحلات الشاقّة لهذا الملف؛ كانتْ مشقّة الحياة أعتى وأعنف على رؤوس المرتبط مصيرهم بهذا الملف من مجتمع المستفيدين، فأعدادهم زادت، وتكاليف المعيشة ومواجهة أعباء الحياة زادتْ بوتيرةٍ أسرع، والخيارات المالية والمعيشية في المقابل عاماً بعد عام تتضاءل، إلى درجة انسدادها تماماً أمام شريحةٍ منهم! ولعل ما خفف من وطأة تلك الظروف المعيشية المعقّدة، هو (فزعة) وزارة الشؤون الاجتماعية لهم بمد يد العون لمن استطاعت الوصول إليه، وإن كانت أقل مما يجب، إلا أنها دون شك ساهمت في دعم المستفيدين وأُسرهم، ولا يُنسى في هذا المقام الدور المهم الذي لعبته الجمعيات الخيرية، والتبرعات السخيّة من أهل الخير والمعروف في مجتمعنا المبارك، كل تلك المساهمات الخيّرة كان لها أبرز الأثر في التخفيف من حدّة وطأة الحياة المتقلبة.

غاص ملف المتقاعدين وورثتهم بين سندانين؛ الأوّل: المطالبات برفع مستوى المعاشات التقاعدية التي تُدفع للمستفيدين (المقترح القائم الآن هو أربعة آلاف ريال، وفي رأيي أنّه غير كافٍ)، وضرورة تحسين ظروفهم المعيشية، وذهبتْ إلى الضرورة الملحّة بتمليكهم السكن اللائق لمن لم يستطع تملّكه (40 في المائة من المتقاعدين لا يمتلكون مساكن، وفقاً لدراسة أعدّتها الجمعية الوطنية للمتقاعدين)، وتأمين الرعاية الطبية المجانية لهم، وإعفائهم من جميع رسوم الخدمات المكلّفة بالنسبة لتلك الشريحة، ومنحهم خصومات امتيازية مقابل تكاليف السلع والخدمات الأساسية.

السندان الآخر: أنّ كل ما تقدّم ذكره في السندان الأول؛ رُفض جملةً وتفصيلاً من قبل مؤسستي التقاعد والتأمينات الاجتماعية، بحجّة أن كل ذلك يحمل في طيّاته مزيداً من التكاليف والأعباء المالية التي تفوق مقدرتهما، وهو عذرٌ مشروع تدعمه ميزانيات كل من المؤسستين، خاصة المؤسسة العامّة للتقاعد. واقترحتا كلتاهما في ردّيهما، أن جزءاً كبيراً من الدعم يمكن تقديمه إلى المستفيدين ذوي الحاجة من قِبل وزارة الشؤون الاجتماعية، والجمعيات الخيرية، بمعنى آخر؛ استمرار حالة (الفزعة) الراهنة.

سنوات عديدة وحال هذا النقاش والجدال كما هو، لم يصل إلى مستقرٍّ له ولا يبدو في الأفق القريب أنّه سيصل إليه! في الوقت الذي تزداد خلاله الظروف المعيشية صعوبةً وضيقاً على المعنيين بالدرجة الأولى به! فماذا استفادوا من هذا الجدال، إلا مزيداً من تحمّل مصاعب الحياة المعيشية ومشاقّها الكأداء؟! فما الحل إذاً؟

هنا يأتي دور الرؤية ذات الحس الوطني بدائرتها الأوسع والأشمل، التي تنظر بعين الاعتبار إلى المخاطر المحيقة بالمجتمع ومقدراته إن استمرّتْ تلك الأوضاع في تفاقمها باتجاهها السلبي. الرؤية التي تعلو كثيراً عن مبررات السندان الآخر الممتنع عن تلبية متطلبات شريحة تشكّل أكثر من 6.2 في المائة من المجتمع السعودي، والمقلق جداً أنّها آخذةٌ في الزيادة عاماً بعد عام. الرؤية التي تعلو حتى بعض المبررات الواهية من لدن بعض الأصوات المعترضة، التي تحتج بقولها إنَّ اتخاذ مثل تلك الإجراءات الداعمة للشرائح المحدودة المعاشات من المتقاعدين، فيه إجحافٌ بحق من بذل واجتهد في حياته التعليمية والعملية! وما أكثرَ وألجمَ ما يمكن الرد به على تلك الأصوات، غير أنني سأكتفي هنا بنقطتين: (1) هل نظر أصحاب تلك الأصوات إلى الظروف المعيشية التي وجد فيها من هم بحاجةٍ اليوم إلى مدِّ يد العون؟ فقد تكون السبب الرئيس وراء عدم تمكّنهم من التعلّم كما يجب، ومن يعلم ماذا كان سيحصل لأصحاب تلك الأصوات لو أنّهم مرّوا بتلك الظروف المعيشية الصعبة؟ أترك الإجابة لهم. (2) هل تدرك تلك الأصوات حجم الآثار السلبية والمدمرة اقتصادياً واجتماعياً على البلاد والعباد، إذا ما تُركتْ أوضاع المتقاعدين وأسرهم بوضعها المتعسّر على ما هي عليه؟! وماذا سيبقى للمجتمع بأكمله لو – لا قدّر الله – تفاقمتْ النتائج المدمرة لتهلك الأخضر واليابس، من اتساع دوائر الجهل والفقر والجريمة والوقوع في براثن المخدرات؟ أليس من الأولى استدراكها مهما كلّفت فاتورتها من أن نخسر كل ما نملك؟!

أين سنجد هذه الرؤية الوطنية المخلصة، التي تأخذ في الاعتبار الثروة الأولى للوطن ممثلةً في النواة الأولى له (الإنسان والأسرة)، وأنها الأولى والأجدر بمنحها على ما سواها أسباب الاستقرار والرخاء والازدهار، وأنّها إذ تحقق كل ذلك لنواة الوطن الأغلى فإنّها عن جدارة ستحققه لكل ما يليها من مقدرات بلادنا، وبالطبع فإن مثل هذه الرؤية الوطنية الرفيعة وذات المسؤولية العالية، تدرك تمام الإدراك تلك الأهداف، وتقدّمها على عشوائية المخاطر المحتملة إن لم تتحقق. هنا تبرز الأولويات لدى تلك الرؤية المخلصة ومن يحملها، وهنا أيضاً يتجلّى الفارق الكبير بين من يستلهم تلك الرؤية، وبين من انحصر فكره وعمله في رقمي التكلفة والعائد! أؤكدُ أنَّ تلك الرؤية الوطنية الرفيعة مغروسةٌ في أفئدة قيادتنا العليا – أيّدها الله – والمخلصين من أبناء هذه البلاد الخيّرة.

لن يفكَّ هذا الجدال العقيم، والدوران حول أنفسنا دون نتيجة، إلا رحمة من رّبك ثم تدخّل من يحمل تلك الرؤية الوطنية، وإنّ خطاب – ليس خطابي- مجتمع المتقاعدين وأسرهم وكل المستفيدين من المعاشات التقاعدية المتدنية، بما يحمله من مطالب مشروعة ومبررة، يجب أنْ يتجه – بعد التوكّل على الله ولا سواه – إلى مُلهمَيْ تلك الرؤية ممثلَيْن في خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين – أيّدهما الله – ليحملها أعضاء مجلس إدارة الجمعية الوطنية للمتقاعدين إليهما، ولتتجاوز الجمعية كل تلك السياقات البيروقراطية، فقد أهدرتْ في شتاتها وقتاً طويلاً لا يستحق، لا أحد دفع وما زال يدفع ثمنه المكلّف إلا المتقاعدون وأسرهم وورثتهم.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/26/article_765782.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.