الهيكلة نحو النجاح.. أم الهرولة نحو الفشل؟

تعمدُ أغلب المنشآت والأجهزة الحكومية منها والأهلية إلى إعادة هياكلها التنظيمية ومستويات الأجور فيها من فترة إلى فترة، ويكون الهدف الرئيس لتلك الهيكلة هو رفع كفاءة الأداء، وزيادة الإنتاجية والمواءمة بين ما تقدّمه المنشأة من خدمات ومنتجات، ليتوافق مع احتياجات ومتطلبات المستفيدين وذوي العلاقة.

هل تقيس تلك المنشآت نتائج الهيكلة لاحقاً، لمعرفة ما إذا تحققت الأهداف أم لا؟ الأغلب في بيئتنا المحلية وفقاً للتجارب المرصودة أن لا شيء من ذلك يتم! إذْ يكفي عن كل ذلك أن ترى الإدارات العليا ”صاحبة القرار” قد حظيتْ بنعيم تلك الهيكلة، وأنْ ترى المستفيدين خارج المنشأة يكيلون لها المديح والثناء لقاء ارتفاع جودة الخدمات والمنتجات.

هل هناك ما أُغفل النظر إليه كأحد محددات قياس نجاح تلك الهيكلة من عدمه؟ نعم، إنهم ”العاملون” في تلك المنشأة، ذلك الطرف الأهم والأكثر تأثيراً في الأجل المتوسط إلى الطويل بنسبة تفوق الـ 90 في المائة! وهو الخطأ الجوهري الذي تقع فيه أغلب تلك العمليات، فما إن تمضي سنوات قليلة إلا وقد انخفضتْ الإنتاجية والكفاءة، وعادتْ المنشأة إلى المربع الأول. قد يتكرر الخطأ مرة أخرى بإجراء هيكلة ثانية وثالثة، وكل ذلك بالطبع يعني تحمّل المزيد من التكاليف الإضافية على ميزانيات تلك المنشآت.

ما الخطأ الذي أُرتكب في حق العاملين؟ لتعرف إجابة هذا السؤال المحوري، عليك أن تطرح سؤالاً داخل أروقة أي منشأة خضعتْ للهيكلة المذكورة أعلاه على كل منسوبيها، مفاده: ماذا تغيّر عليك من جرّاء تطبيق هذه الهيكلة؟ على مستوى (1) المهام والمسؤوليات الوظيفية ”حقوق المنشأة على الموظف”. (2) الأجر والحقوق والحوافز ”حقوق الموظف على المنشأة”. إنّك ستسمع إجابات متناقضة إلى حدٍّ بعيد لا تمتُّ بصلةٍ بين بعضها بعضا!

إنْ اطلعت على تجربتنا المحلية في هذا الشأن، التي عايشتها شخصياً لنحو عقدين من الزمن في القطاعين الحكومي والخاص، وتدرجتُ فيها من المستويات المتوسطة إلى العليا، أؤكّد أنّك ستجد أن المحافظة على ”التوازن” بصورةٍ إلزامية بين البندين ”حقوق المنشأة على الموظف” و”حقوق الموظف على المنشأة” هو سرُّ نجاح أي هيكلة تنظيمية تتم في أي منشأة، وأن غياب أو اختلال ذلك التوازن سيُفضي في نهاية الأمر إلى الفشل الذريع للمنشأة في الوفاء بأدوارها ومسؤولياتها.

نعم، على الإدارة العليا أن تراقب باهتمام بالغ تحقق ”التوازن” بين مسؤوليات ومهام منشأتها من طرف، ومن طرف آخر تلبية احتياجات المستفيدين منها وذوي العلاقة بها، سواءً كانت خدمات أو منتجات. وأيضاً عليها بالقدر نفسه من المسؤولية أن تحافظ أيضاً على تحقيق التوازن بين طرفي المعادلة الداخلية ممثلةً في الحقوق والواجبات المتبادلة بين المنشأة ومنسوبيها. إغفال أيٍّ من تلك التوازنات أعلاه؛ يعني ”هرولة” لا ”هيكلة” نحو قيعان الفشل، بما يتضمنه ذلك من عواقب وخيمة، أقل ما تحمله من عناوين للفشل أنّها ستسير نحو: الزيادة في هدر الموارد المالية والبشرية على حد سواء، ولانحدار كفاءة وإنتاجية المنشأة في الأجلين المتوسط والطويل.

من التجارب التي نشاهدها في الوقت الراهن، ومما يؤكد عدم تحقق التوازن في المحددات أعلاه، خاصةَ فيما يتعلّق بتوازن البيئة الداخلية للمنشآت، أن تقوم الإدارة المعنية بالهيكلة بالتنسيق مع الإدارات الأخرى المعنيّة بزيادة المهام والأعباء الوظيفية وساعات الدوام، وأحياناً يصل بها حد الاستبداد الإداري إلى تخفيض أيام الإجازات السنوية للموظف، بل قد تتعنّت حتى إلى حدود خفْض أيام الإجازات الاضطرارية أو المرضية للموظف، مقابل إمّا زيادةٍ طفيفة في الأجور والبدلات المالية، وأحياناً قد لا تطرأ أي زيادة على المقابل المالي! إنّك والحال تلك؛ أمام ”هرولة” عابثة نحو مزيد من الإخلال بتوازن الحقوق والواجبات المتبادلة بين المنشأة ومنسوبيها، وفي رأيي أنّه بسبب الجهل ونقص الخبرة والدراية بهذه المعادلة المهمة! أكثر من أيّ عامل آخر، كي لا نخوضُ في نيات المتورطين فيها.

أوّل مثالب تلك ”الهرولة” غير المحسوبة العواقب، هو تحوّل بيئة العمل الداخلية لتلك المنشأة إلى بيئة طاردة للموارد البشرية، ومما يزيد من فداحتها أن أوّل الأسراب المهاجرة هي الموارد والكفاءات البشرية الأكثر تأهيلاً وإنتاجية، وتتوالى من ثمَّ سلسلة المثالب في السقوط على مقدرات المنشأة، إلى الدرجة التي تُفقدها كل المكاسب التي تحققت لها لقاء تركيزها فقط على تحقيق متطلبات المستفيدين خارجها، التي سرعان ما تتحوّل معها علامات الرضا والإشادة من خارج المنشأة إلى نقيضها، وهيهات عندئذ أن يكون للندم نفعاً، وأن تجدي معه أية محاولات يائسة للمعالجة والاستدراك.

قد يقول قائل؛ التنظير سهلٌ جداً في هذا الخصوص! وإنّ ما يجري على أرض الواقع أصعبُ من هذا التبسيط النظري للقضية بكامل تفاصيلها المعقدّة. وبدوري أقول إن الرد على هذه المقولة سهلٌ أيضاً! إنّ من أهم مؤشرات نجاح الإدارة العليا في أي منشأة، أنْ يتسم تعاملها مع جميع الموارد البشرية في المنشأة على أنّهم شركاء نجاح، لا خصوم متنافسين، وأنْ تنظر إليهم بنظرةٍ من التقدير الرفيع الخلق لا على أنّهم سُخْرةً عندها! هذه الركيزة وحدها كافية جداً لأن تحوّل ”ثقافة” العمل بأكملها إلى أقوى مصدر للطاقة التشغيلية للمنشأة. إنّها ”الثقافة” التي تصنع من الموظفين شركاء في تصميم سياسات العمل، ولأنّهم كانوا شركاء في ذلك ستجدهم أكثر الأطراف إنتاجيةً والتزاماً بها، كل ذلك مقابل وقوف الإدارة العليا كشركاء أيضاً في تقييم وتقدير هذا العطاء بما يعادله من أجور وحوافز مستحقة، هكذا تفوّقت المنشآت والكيانات الناجحة على غيرها من المنافسين.

إنّه مبدأ نبوي شريف غاب بكل أسف عن مختلف جوانب حياتنا، وليس فقط على مستوى بيئات العمل لدينا ”عامل الناس كما تُحب أن يعاملوك”، غاب هذا المبدأ فغابت العدالة والإنصاف وإعطاء كل ذي حقٍّ حقّه، وإنّه لو وضع كركيزة أساسية في علاقات وتعاملات أية منشأة كانتْ، لما رأيتَ إلا فلاحاً يتلوه فلاح.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/19/article_764257.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.