بورصة للمشروعات الناشئة.. مَن يُبادر بها؟

لا شكَّ أن ملف المنشآت المتوسطة والصغرى من أكثر الملفات الاقتصادية محلياً غموضاً؛ إنْ شئتَ على مستوى أنشطتها، أو على مستوى توظيفها للعمالة، أو على مستوى تمويلها، أو على مستوى مساهمتها في النمو الاقتصادي، أو على مستوى الجدوى الاقتصادية منها، أو على مستوى حصيلة اتهامها بأنها الوكر الأوّل للتستر التجاري، أو في أيّ اتجاهٍ يتعلّق بهذه المنشآت.

اللافتْ أنَّ هذا الغموض وغياب المعلومات اللازمة عن هذا الملف، سيكون كبيراً جداً كونه يشمل نحو 1.98 مليون منشأة، أي نحو 99.8 في المائة من إجمالي منشآت الأعمال في البلاد بنهاية 2012م! تتوزّع على النحو التالي: المنشآت الصغيرة جداً (أقل من عشرة عمّال) أكثر من 1.7 مليون منشأة، المنشآت الصغيرة (من عشرة حتى 49 عاملا) نحو 234.6 ألف منشأة، المنشآت المتوسطة (من 50 حتى 499 عاملا) نحو 26.2 ألف منشأة.

هذا ما جادتْ به البيانات الرسمية المتوافرة، الصادرة عن وزارة العمل بهدف تحديد توزيعها على برنامج نطاقات فقط، أمّا ماذا تقوم به من نشاطات، أو مساهمة في الاقتصاد، فهذه لا تزال في طيّ المجهول! قد يكون أهم ما شاع عن هذه المنشآت في قطاع الأعمال المحلي أمرين لا ثالث لهما: الأوّل – نقص التمويل والخبرة والملاءة، ولهذا ترى العمر التشغيلي لنسبة كبيرة منها قد لا يتجاوز سنتين إلى خمس سنوات في أحسن الحالات، فإمّا أن تختفي من الوجود فلا يبقى إلا سجّلها التجاري كتذكارٍ لدى مؤسسها، أو أن يبتلعها الأمر الثاني كما سيأتي. الأمر الثاني – أنّها الموطن والبيئة المثلى لتفشّي أنشطة التستر التجاري، فيظهر اسم المؤسس المواطن (صاحب السجل التجاري) على عناوين المنشأة، بينما تندسُّ العمالة الوافدة المُتستر عليها في أحشاء المنشأة، فتتكاثر وتتوالد كالنمل لا تكل ولا تمل من ممارسة كل ما يخطر ولا يخطر على بالك من أعمالٍ تدرُّ الملايين من الأموال.

تولدُ أغلب تلك المنشآت شبه ميتة، إمّا أن تحدث المعجزة فيكتب الله لها الحياة المديدة والنمو والتوسّع، وإمّا أنْ يبتلعها فاه الأخطبوط المتربّص (التستر التجاري)! فأيّ ضررٍ أكبرُ بعد هذا لحق بالاقتصاد الوطني؟! ضررٌ تكرّسَ في حربةٍ ذات رأسين سامّين: الرأس الأول – حرمان الاقتصاد من منشآتٍ كان مقدّراً لها أن تساهم في دعم استقراره وتنوّعه الإنتاجي، وخلق فرصٍ لتوظيف العمالة الوطنية، ورفع وتعزيز مستوى دخل الأفراد. الرأس الثاني -أنْ تتحول تلك المنشآت بوقوعها في براثن التستر التجاري إلى كياناتٍ سرطانية تمتصُّ خيرات العباد والبلاد، وهو البلاء بعينه في أيّ اقتصادٍ يُبتلى بها.

هل نغلق الباب تماماً أمامها فيفوت علينا واحداً من أهم نوافذ النمو والاستقرار الاقتصاديين؟ أمْ نتركه على حاله الراهنة والله المستعان على ما ستخلّفه من وهنٍ وعللٍ في جسد الاقتصاد الوطني؟ أمْ نعمل على ابتكارِ آلياتٍ أكثر ديناميكة وجرأة تعصرُ لنا خلاصة خيرها، وتكفينا مخاطر شرّها المستطير؟! إننا جميعاً سنرفع دون أدنى شكٍّ أيادينا للخيار الأخير، ولكن كيف؟ وهذا هو السؤال الذي لم نرَ له أثر جهدٍ حقيقي من لدن الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، يتجاوز مجرّد المبادرات المتقطعة، أو المؤتمرات والمنتديات الإنشائية، أو باختصارٍ شديد الـ 1 في المائة من حجم التمويل الائتماني الذي تتحصّل عليه تلك المنشآت؛ بما يُلمح على مستوى بقية المعطيات أنها النسبة ذاتها فيما يختص بالدعم والرعاية والتسهيلات الممنوحة لها من قبِل الأجهزة الحكومية المعنية.

دار بيني بين د.عبد الرحمن الزامل حديثٌ قريب، قال: إن الغرفة التجارية ستصدر في المستقبل القريب تقريراً بالغ الأهمية، يتحدث عن نحو 70 شركة سعودية تحوّلتْ خلال أقل من عقدين زمنيين من منشآتٍ ضيئلة الحجم لم يتجاوز رأسمالها الأوّل خمسة ملايين ريال أو أقل، إلى كياناتٍ عملاقة تتجاوز قيمها الرأسمالية في الوقت الراهن مليارات الريالات، وتحتضن ضمن مواردها البشرية الآلاف من المواطنين والمواطنات. سألته: بحكم خبرتك وتجربتك الطويلة في قطاع الأعمال، هل هناك مقارنة بين ما وجدته تلك الـ 70 شركة من دعمٍ وعناية وتمويل وبين ما تحظى به منشآت مرحلتنا الراهنة؟! جاءتْ الإجابة قاطعةً لكل شك: لا توجد أي مقارنة على الإطلاق.

إذاً والحال تلك؛ وحتى يفتح الله على الأجهزة الحكومية بالآليات الديناميكة المشار إليها أعلاه، والتي يؤمل من خلالها أنْ يتقدّم (عامل) دعم المنشآت الناشئة بالمال والاستشارة والرعاية اللازمة على (عامل) الخوف والحذر وعدم الثقة بتلك المنشآت، رأيتُ اقتراح فتح نوافذ تنظيمية تكفل الحفاظ على حقوق كل الأطراف، بين (الممولين) الباحثين عن فرص استثمارٍ مجدية من طرف، وبين (مطوّري الأعمال) الباحثين عن مصادر للتمويل شحّتْ عليهم في ظل الظروف الراهنة! نوافذ تكون تحت ما يمكن تسميته بـ ”بورصة المشروعات الناشئة”.

مشروعٌ لن يكلّف الطرف الأكثر بيروقراطية في المعادلة ممثلاً في الجهات الحكومية ذات العلاقة ريالاً واحداً، كل ما هو مطلوبٌ من هذا الطرف المبادرة بتأسيس هذه البورصة التي ستكون بمثابة ”البيئة” المثلى لطرفي أي مشروعٍ استثماري. إنَّ القضية الرئيسة هنا، هي كيف لنا أن نعمل على فتح الطريق أمام تلك المنشآت الناشئة محلياً؟ كيف لها أن ترى الحياة وتتحول من مجرد حلم إلى مشروعٍ فعلي على أرض الواقع؟ كيف لها أن تستفيد بجدواها المالية والاقتصادية إن أثبتتها من فوائض المدخرات والأموال الوطنية، التي إن بقيت محلياً رأيتها تكرُّ وتفرُّ مضاربةً إمّا في سوق الأسهم أو في السوق العقارية، أو هربتْ لخارج الاقتصاد على هدى وغير هدى؟! كيف لنا أن نجمع ونحتضن شتات أحلام وطموحات شبابنا؟ كيف لنا أن نعمل على خلق فرصٍ استثمارية حقيقية أمام مدخراتنا الوطنية؟

ليست ”البورصة” بحاجةٍ إلى ضخ مليارات الريالات لتتحقق، وليست بحاجةٍ إلى دعمٍ مالي من أي جهةٍ حكوميةٍ كانتْ، إنها اليوم مجرد رؤية وحلم تطمح لأن ترى النور فقط تحت إشراف ورقابة رسمية، تستهدف توفير البيئة العادلة والعالية الشفافية والتنظيم لأجل الدراسة والتفاوض واتخاذ القرارات الاستثمارية المُثلى، بين (مقدمي التمويل) و (الباحثين عن التمويل). فمن يبادر بها يا تُرى؟

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/17/article_763749.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.