«شركة مساهمة».. لتنفيذ مشروعات الدولة

ختمتُ المقال الأخير ”المشاريع التنموية.. فاتورة التعثّر أكبر” هنا في ”الاقتصادية” يوم الإثنين الماضي بأسئلة تنشد حلولاً رقابية فاعلة! لم يأتِ المساء إلا وقد صدرَ قرار مجلس الوزراء بـ (1) الموافقة على الترتيبات الخاصة بمعالجة تأخر أو تعثر مشروعات الجهات الحكومية التنموية والخدمية، بالصيغة المرفقة بالقرار. (2) قيام الجهات الحكومية بالإسراع في وضع الآليات اللازمة التي تمكنها من الارتقاء بإدارة مشروعاتها بما يضمن إنجازها وفق البرامج الزمنية المحددة لها. (3) على الجهات الحكومية رفع تقارير دورية ”كل ستة أشهر” إلى اللجنة الدائمة المشكَّلة في الديوان الملكي، لمتابعة ومراجعة تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية، تتضمن بياناً بالمشروعات المعتمدة وإيضاح ما أُنجز منها وما هو تحت التنفيذ وما لم ينفذ بعد، وما واجهها من عوائق والمقترحات المناسبة لمعالجتها، وعلى اللجنة الدائمة آنفة الذكر متابعة تنفيذ الترتيبات المشار إليها، وتقويم مدى إسهامها في معالجة عوائق تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية، واقتراح ما قد تراه في هذا الشأن. ووجّه المجلس كل جهة معنية بالترتيبات المشار إليها بأن تضع جدولاً زمنياً محدداً لتنفيذ المشروعات الخاصة بها، بداية ونهاية.

نأمل جميعاً نجاح تلك الآلية الرقابية على التنفيذ وفقاً لما هو قائم الآن، لكن مع توسّع أعمال المشروعات التنموية في البلاد، المتوقع أن تصل قيمتها الإجمالية خلال السنوات العشر لأكثر من 4.0 تريليون ريال ”1.1 تريليون دولار”، أي ما يفوق 148 في المائة من حجم اقتصادنا اليوم، وبما يعادل ”ثلث” قيمة ما تعتزم الولايات المتحدة كأكبر اقتصادٍ على وجه الأرض إنفاقه على تطوير بُناها التحتية للفترة نفسها ”3.0 تريليون دولار”. أؤكد أنّ مرحلة التوسّع الهائل في تطوير وتوسيع البنى التحتية في البلاد تقتضي منهجية أخرى جديدة، تتسم بالكفاءة والشفافية والرقابة والفاعلية، وهو ما لا يتوافر في المنهجية الراهنة حتى بعد القرارات الأخيرة.

سبق أنْ طرحتُ قبل عدّة أعوام فكرة تأسيس شركة مساهمة عملاقة ”مقاولة سعودية”، يصل رأسمالها إلى 40 مليار ريال، تتولّى مهام ومسؤوليات الإشراف والتصميم والمتابعة والرقابة والتقييم على جميع المشاريع الحكومية دون استثناء. إنّها فكرةٌ رائدة يُعمل بها الآن في العديد من البلدان، وهي آخذة في الانتشار عالمياً، ولعل إمارة أبوظبي صاحبة أكبر مثال على نجاحها، حيث أسست هذه الشركة لهذه الأغراض في عام 2007م تحت اسم ”مساندة”، وقد آتت ثماراً مجدية جداً، وانعكست بصورة بالغة الأهمية على سرعة ودقة والتزام المقاول في جميع مراحل تنفيذ المشروعات.

يُخطط أن تتولّى مباشرةً شركة ”مقاولة سعودية” تنفيذ ما لا يتجاوز 10 في المائة منها، فيما تقوم الشركة بطرح بقية العقود والمناقصات البالغة 90 في المائة على بقية الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وفْق صيغ تعاقدية عالية الشفافية، وتتولى الشركة متابعة ومراقبة مستويات الإنجاز والتنفيذ، والقيام بنشر تقاريرها الدورية ”ربع سنوية” حول جميع المشروعات والمناقصات الحكومية الموكلة إليها.

تُطرح الشركة للاكتتاب العام بعد التأسيس، يُخصص من رأسمالها ما لا يقل عن 20 في المائة لشرائح المجتمع المسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا يتاح لها حرية التصرف ”بيعاً أو شراءً” إلا بعد موافقة الوزارة، لتستفيد تلك الشرائح من المجتمع مادياً من التوزيعات النقدية الدورية التي ستدفعها لهم الشركة، ونحو 60 في المائة من رأس المال يُطرح على الجمهور، ويبقى 20 في المائة من رأس المال مملوكاً للحكومة.

هذه المعادلة أو الشراكة الاستثمارية ستحقق الكثير من الأهداف التنموية والرقابية، وخاصةً أن الدخل المتوقع أن تحصّل عليه ”مقاولة سعودية” يُقدّر ألا يقل سنوياً عن 10 في المائة من قيمة المشروعات الحكومية ”تقريباً 400 مليار ريال خلال عشر سنوات مقبلة، بمعدل دخل سنوي تقريبي 40 مليار ريال، 80 في المائة منه سيُدفع للجمهور”.

يُشترط أن تضم هذه الشركة كوادر بشرية وطنية هندسية عالية التأهيل، بما سيقضي على أغلب الأسباب المؤدية لتعثر أو تأخّر التنفيذ، وبما يُقلّص من ميزانية الجهات الحكومية المعتمدة لإدارات المشروعات ”يُفترض انتقال منسوبي جميع الإدارات بالجهات الحكومية المختلفة إلى الشركة، مع منحهم الامتيازات المحفزة اللازمة”.

إن تبنّي بلادنا لمثل هذه الفكرة سيحدث نقطة فارقة جداً في هذا الشأن، وسيقضي بصورةٍ فاعلة على الكثير من المعوقات والمخاطر المتعلقة بالفساد المالي والإداري، إضافة إلى رفع جودة التنفيذ والالتزام. من أبرز المهام والمسؤوليات المتوقع أن تقوم بها هذه الشركة ما يلي:

(1) تسلّم طلبات المشروعات المحددة من كل وزارة أو جهة حكومية بعد اعتمادها؛ على سبيل المثال ”100 مستشفى من وزارة الصحة، 500 مدرسة من وزارة التربية والتعليم، وهكذا”، وذلك وفقاً لمتطلبات تلك الجهات الحكومية.

(2) تصميم واقتراح المشروعات وفق المتطلبات المحددة، وتقدير تكلفتها، ومن ثم عرضها بعد ذلك على الوزارة المعنية. بناءً عليه ليس على أي جهةٍ حكومية سوى أن تبيّن متطلباتها واحتياجاتها من المشروعات تحت مسؤوليتها، فيما تقع مسؤولية التصميم وتقدير التكاليف والتنفيذ والرقابة والمتابعة حسب الجدول الزمني المحدد على شركة ”مقاولة سعودية”، التي ستستقطع مقابلها المادي من القيمة الإجمالية لتكاليف تنفيذ تلك المشروعات، وهو مصدر دخلها الرئيس.

(3) تبدأ شركة ”مقاولة سعودية” بعد موافقة الوزارة المستفيدة بطرح تلك المشروعات كمناقصات على القطاع الخاص، ممثلاً في الشركات والمؤسسات المختصة، ووفقاً لتصنيفاتها المعتمدة من الحكومة. كما يمكن لشركة ”مقاولة سعودية” أن تُنفّذ من المشروعات ما لا يتجاوز 10 في المائة من قيمة العقود الحكومية المعتمدة خلال العام المالي الجاري.

ستتولّى شركة ”مقاولة سعودية” التعاقد مع المقاول المناسب والمؤهل، وفقاً لأعلى المعايير الهندسية والفنية اللازمة، والإشراف والمتابعة والرقابة لجميع الأعمال المنصوص عليها في العقد، وعند الانتهاء من تنفيذ المشروع تقوم بتسليمه للجهة الحكومية المعنية! التي بدورها لن تتسلم المشروع إلا بعد أن تبدي هيئة المواصفات والمقاييس رأيها وقرارها المستقل، بتطابق المشروع بصورته النهائية مع المواصفات والمعايير التي تم بناءً عليها إقرار المشروع. علماً أن أي مدفوعات تدفعها ”مقاولة سعودية” للمقاول المنفذ تتم وفق الآلية نفسها بالتنسيق مع وزارة المالية، بدءاً من الدفعة الأولى حتى الدفعة الأخيرة.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/12/article_762642.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.