المشاريع التنموية.. فاتورة التعثّر أكبر!

قبل الغوص في تكلفة ما أُنجز وما لم يُنجز من المشاريع التنموية، أجد أنّه من الضرورة بمكانٍ استعراض بعض أهمِّ الملفات التنموية محلياً؛ كالتعليم والصحة والنقل بمقارنة ما أُنجز فعلاً مقابل ما لم يُنجز خلال الفترة 2007-2011م، كفترة قياس محددة توافرت لدينا إحصاءاتها الرسمية الموثوقة.

بالنسبة لوزارة التربية والتعليم، بيّنتْ إحصاءات الوزارة أنَّ الزيادة الفعلية في عدد المدارس لديها (الابتدائية، المتوسطة، الثانوية) بلغتْ 2747 مدرسة خلال الفترة، مقابل ما أعلنتْه عن مشاريع لمدارس جديدة للفترة نفسها في بيانات الميزانية الحكومية المُعلنة نهاية كل عام مالي، التي بلغ مجموعها التراكمي 18704 مدارس جديدة! وإن أخذتْ الفترة 2006-2010م على اعتبار منح الوزارة فترة عام للتنفيذ، فإن العدد المخطط لإنجازه سيترفع إلى 18804 مدارس جديدة! إذاً نحن أمام نسبة إنجاز لم تتجاوز 14.7 في المائة.

فيما بيّنتْ وزارة الصحة وفقاً لبيانات الميزانية الحكومية السنوية، أنّ مشاريعها القائمة حتى نهاية الفترة، بلغ بالنسبة لعدد المستشفيات 137 مستشفى، وعدد الأسرّة 28470 سريرا. فماذا تحقق من تلك الخطط؟! لقد زادتْ المستشفيات بـ 33 مستشفى فقط (نسبة إنجاز 24.1 في المائة). أمّا زيادة الأسرّة فبلغت خلال الفترة 3833 سريرا (نسبة إنجاز 13.5 في المائة)، وبإضافة ما استجد من الأجهزة الحكومية الأخرى والقطاع الخاص، تصبح الزيادة في عدد المستشفيات 36 مستشفى فقط، والزيادة في عدد الأسرّة 5232 سريرا فقط للفترة نفسها، وكلا الزيادتين تبقيان حتى ما تحقق بعيداً عمّا كان مستهدفاً.

أخيراً وزارة النقل، بلغ طول ما أنجزته الوزارة خلال الفترة من طرق منفذة (رئيسة، ثانوية، فرعية) نحو 8566 كيلو مترا، وهو ما يعادل نسبة إنجاز بلغتْ 25.4 في المائة من إجمالي مشاريع الطرق القائمة لديها حتى نهاية الفترة، البالغ إجمالي أطوالها 33700 كيلو متر.

الحديث المفصّل أعلاه تركّز فقط على 37 في المائة من إجمالي ميزانية الإنفاق الحكومي خلال الفترة 2007-2011م، التي أولتها الدولة اهتماماً أكبر من غيرها، كونها تمسُّ الاحتياجات التنموية أكثر من غيرها من القطاعات، وكما بيّنتْ أرقام الأداء الفعلي المستند إلى إحصاءات رسمية منشورة، فلم تتعدَّ أفضل نسبة إنجاز (رُبع ما هو مطلوبٌ إنجازه).

بالنظرِ إلى التحوّل الكبير الذي شهدته الميزانيات الحكومية منذ 2007م وما تلاها من أعوام، التي أخذتْ اتجاهاً تصاعدياً في النفقات الرأسمالية على المشاريع التنموية الجديدة، بلغتْ نسبة نموّه خلال 2007م نحو 68 في المائة (119 مليار ريال)، واستمر في الزيادة إلى أن بلغ بنهاية ميزانية 2012م نحو 261.7 مليار ريال، وتقدّر موازنة العام المالي 2013م أن ترتفع إلى 285 مليار ريال، أؤكد أنّه بالنظر إلى حجم تلك المبالغ المرصودة لإنفاقها على المشاريع التنموية، المُقدّر مجموعها خلال الفترة 2007-2013م بنحو 1.6 تريليون ريال، ثم لا يجد المراقب والمواطن أنَّ ما أُنجز منها لم يتجاوز 25 في المائة (أي ما قيمته 400 مليار ريال)، مقابل تعثّر أو تأخّر النسبة المتبقية، وهي في حالة الأرقام القائمة بين أيدينا تناطح الـ 75 في المائة (أي ما تصل قيمة فاتورته إلى نحو 1.2 تريليون ريال)، فإننا والحال المعقدة تلك أمام معضلةٍ تنموية من الوزن الثقيل جداً!

تمتاز لغة الأرقام والاعتماد عليها؛ بأنهّا الطريق الأكثر استقلالية وخلاصاً من المؤثرات الصوتية، سواءً المضادّة أو التي تُجامل! هناك إعلاناتٌ رقمية صدرتْ كخطط ووعود بإنجازها عبر تصريحاتٍ رسمية من مختلف الأجهزة الحكومية خلال فتراتٍ محددة، وهناك أرقامٌ رسمية منشورة لاحقة توثّق ما أُنجز على أرض الواقع! يأتي دور (قياس المسافة) بين ما خُطط ووعِد بإنجازه وبين ما أُنجز فعلياً، ومن تلك (المسافة الرقمية) يُستنتج التقييم، إمّا إنجازاً تامّاً أو قريباً منه، وإمّا فشلاً ذريعاً أو قريباً منه.

ليست بمسألةٍ معقدة على الإطلاق، التعقيد والتشتت سيأتيك إن وجدت نفسك تخوض مع الخائضين، سواءً من سيبرر ذلك الفشل أو الطرف الآخر المهاجم له على غير هدى. وأنَّ عليك كمراقب أو متابع بعد تأكّد مقاييس ومؤشرات الأداء لديك ببذل الجهد، والبحث الدؤوب في الأسباب الحقيقية وراء هذا التأخّر والتعثّر في إتمام تلك المشاريع التنموية المهمة جداً، والمكلّفة جداً، والتوصّل إلى مقترحات للحل قبل أن تتفاقم. وهذا هو مصدر البلاء الآخر؛ أنَّ غياب البحث والتدقيق والمساءلة حول الأسباب التي أفضتْ إلى تأخّر تنفيذ تلك المشاريع، سيؤدي إلى زيادة تكلفة فاتورة الهدر المالي والتنموي، بسبب زيادة الإهمال وعدم المحاسبة والرقابة! كيف ذلك؟!

بيّنت مقارنة قيم المشاريع الموقّع لتنفيذها مع قيم المشاريع الجديدة المعتمدة خلال الفترة 2008-2012م، تراجعاً لافتاً فيما أُنجز مقارنةً بما اُعتمد إنجازه، حيث انخفضتْ النسبة من 72.7 في المائة بنهاية 2008م إلى نحو 51.7 في المائة بنهاية 2012م! والحديث هنا عن نحو 11910 مشاريع تنموية في مختلف القطاعات! ويزداد القلق وضرورة الحذر حول تلك المشاريع التنموية، إذا ما علمنا أن المخصصات المالية لأجل تنفيذها آخذةٌ في الزيادة مقابل زيادة (نسب عدم الإنجاز)!! حيث بلغ متوسط النمو السنوي لتلك المخصصات لأجل المشاريع الجديدة المعتمدة 18 في المائة سنوياً.

هل ننشد حلاً من وزارة الاقتصاد والتخطيط، وهي التي لا يزال جدول الإكسل على موقعها الإلكتروني بعنوان (متابعة تنفيذ مشاريع الدولة) خاليا من أية معلومة منذ عدّة سنوات؟! أم ننشده من ديوان المراقبة العامّة بصفته الجهاز الرقابي المسؤول عن الرقابة المالية اللاحقة على جميع أجهزة الدولة وفقاً لمقتضى المادتين (20، 21) من نظامه؟! أم ننشده من مجلس الشورى؟! أم ننشده من كل جهةٍ حكومية بصفتها المسؤول الأول عن كل ما يوكل إليها من مهام ومسؤوليات حسب اختصاص كل جهة؟! إننا ننشده من تلك الجهات كافّة دون استثناء أي جهةٍ منها، فالأمر ليس بالهيّن على الإطلاق على أيّ مستوى كان، حتى يُمرر هكذا دون وقفةٍ وطنيةٍ مسؤولة! إذ إنَّ الطرف الخاسر في المعادلة وطنٌ ومجتمع ومستقبلهما بكامل مقدراتهما. فهل من مجيب؟!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/10/article_762123.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.