سوق العمل .. تضاريس هابطة

بدأتْ قصّةُ اقتصادنا بالنفط، ثم بدأتْ بقية القصص. لكن القصة الأكثر دراماتيكية بينها؛ هي قصّة سوق العمل! والمرحلة الأكثر تقلّباً في فصولها، هي المرحلة الراهنة التي تُفصح عن أكثر التناقضات بين ”تصريحات” مسؤولي وزارة العمل من طرف، وبين ”مؤشرات” السوق من طرفٍ آخر!

خلاصة أقوال تلك ”التصريحات” إن الفرص الوظيفية انفتحت بما لم يسبق له مثيل في تاريخ السوق أمام المواطنين والمواطنات، والفضل يرجع إلى دولاب البرامج والباقات والقرارات التي لعبتْ دوراً محورياً حتى تحققتْ تلك الإنجازات! وإنّها كذلك في نظرِ وزارة العمل ما دام أنّها وظّفتْ خلال 2011-2012م أكثر من 0.5 مليون مواطن ومواطنة.

فيما تبيّن المؤشرات المستقاة من واقع السوق، وعلى مستوى الاقتصاد الوطني معاني أخرى! يجدر بوزارة العمل التوقّف عندها كثيراً، ليس للتأمّل فحسب، بل لتصل بها إلى درجةٍ من الفهم والاستيعاب الاقتصادي البحت! لا ”التسويقي” ولا بمنطق ”إدارة الموارد البشرية”، الذي يمنحك إحساساً واهماً بالإنجاز على حساب مقدرات اقتصادٍ ومجتمع ومستقبلهما معاً تدفع الثمن.

أولاً: إذا كان هناك 0.5 مليون مواطن ومواطنة تم توظيفهم خلال 2011-2012م، فإن مقابلهم قد تم توظيف نحو 4.6 مليون مقيم، اُستقدموا من خارج الحدود، بما يعادل 30.5 في المائة من إجمالي من تمّ استقدامهم خلال عشر سنوات مضت.

ثانياً: مقابل نصف مليون من المواطنين الذين تم توظيفهم خلال الفترة، ارتفعت تحويلات العمالة الوافدة إلى 103.5 مليار ريال و 107.3 مليار ريال خلال عامي 2011م و 2012م على الترتيب، مثّل مجموعهما نحو 28 في المائة من إجمالي تحويلات العمالة الوافدة للخارج خلال عشر سنواتٍ مضتْ.

ثالثاً: وفقاً لأحدث إصدارات البنك الدولي Migration and Remittances Factbook 2011، فقد احتل الاقتصاد السعودي المرتبة الثالثة عالمياً بعد كل من الولايات المتحدة وسويسرا في حجم التحويلات للخارج لعام 2011م، بنحو 27.6 مليار دولار، واحتلت المرتبة الرابعة عالمياً في عدد المقيمين غير المواطنين بأكثر من سبعة ملايين مقيم (بلغ الرقم وفقاً للتعداد السكاني من مصلحة الإحصاءات العامّة لعام 2011 نحو تسعة ملايين نسمة)، بعد كلٍ من الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا للعام نفسه.

وبالنظرِ إلى تنامي قيم تلك التحويلات للخارج واستمرار زيادة الاستقدام من مطلع العام الجاري 2013، يُقدّر أن ترتفع تلك التحويلات لسقوفٍ أعلى! حيث سجّلتْ خلال نيسان (أبريل) الماضي أعلى معدلٍ شهري لها تخطّى 12.0 مليار ريال، ما يُشير وفقاً لمعدلات نموّه الأخيرة إلى احتمال تخطّيه 130 مليار ريال (34.7 مليار دولار) مع نهاية العام الجاري. المقلق في الأمر؛ أن تلك الإحصاءات تغطّي فقط التحويلات عبر القنوات البنكية الرسمية، إذ إن هناك أيضاً تحويلات قد تعادل أو تتجاوز تلك الأرقام يضطلع بتنفيذها أفراد من تلك العمالة المقيمة عبر حسابات خاصة لهذا الغرض؛ يدفع فيها المقيم المستفيد (نقداً) هنا لمكاتب متخفيّة لتنفيذ تلك التحويلات، وخلال أقل من ساعة يستلم المستفيد في البلد المحوّل إليه المبلغ بكل يسر وسهولة، وبعمولة أقل حتى من عمولة البنوك المحلية! وهو ما تؤكّده مقارنةً الفاتورة الإجمالية للأجور السنوية المدفوعة للعمالة الوافدة مع ما يتم تحويله لخارج الحدود، إذ يكفي الإشارة إلى أن مقابل تحويلات عامي 2011 و2012 المشار إليها أعلاه، أن الأجور السنوية بلغتْ 78.9 مليار ريال عن عام 2011م، ونحو 83.0 مليار ريال عن عام 2012.

وتعكس تلك التحويلات الهائلة فيضاً من التشوهات الاقتصادية المرعبة، بدءاً من حجم التسرّب المالي الكبير، مروراً بتفشّي نشاطات اقتصاد الظل، وارتفاع معدلات البطالة الوطنية، انتهاءً إلى عجز السياسات والتدابير المحلية عن كبح تفاقمها.

رابعاً: تزامن مع زيادة توظيف العمالة الوطنية انخفاض في مستويات الأجور المدفوعة، حيث انخفض متوسط السعوديين في القطاع الخاص إلى 4801.43 ريال شهرياً بنهاية 2012، مقابل 5349.4 ريال شهرياً بنهاية 2011م، أي بانخفاضِ بلغت نسبته -10.2 في المائة. هذا بالطبع يكشف عن أنّ هدف التوظيف بغض النظر عن أية محدداتٍ أخرى كان الاعتبار الأول، وهو ما سبق الحديث عنه في أكثر من مقامٍ ومقال، أن البوابة الحقيقية لمعالجة تشوهات سوق العمل موجودة عند حدود الاقتصاد الوطني برمّته، وليستْ عند حدود السوق فقط!

إنّ مقارنةٍ يسيرة بين مخرجات التعليم لدينا المتجهة إلى سوق العمل، وبين الملايين من العمالة الوافدة التي يتم استقدامها سنوياً، تضعك أمام حقائق على أعلى درجات الأهمية وأقصاها! ذلك أن بين كل عشرة مواطنين مقبلين على السوق ثمانية منهم يحملون مؤهل الثانوية فأكثر، بينما من كل عشرة عمال يُستقدمون يوجد تسعة منهم بالكاد يقرأ ويكتب! إنّها نوعية الوظائف التي يخلقها القطاع الخاص، إنّه الجود بالموجود! فما هذا الموجود يا تُرى لدى القطاع الخاص الذي يمثل اقتصادياً أكثر من نصف حجم الاقتصاد الوطني؟!

بيّنتْ أرقام مصلحة الإحصاءات العامّة أنّ أغلبية منشآت هذا القطاع قائمة في نشاطها على التجزئة والمقاولات والتشييد والبناء، النشاط الأوّل قائمٌ على الاستيراد بالجملة والبيع بالتجزئة، والنشاط الثاني قائمٌ على مناقصات الأجهزة الحكومية. كما بيّنتْ أرقام وزارة العمل أن عدد المنشآت العملاقة في القطاع الخاص لا يتجاوز 807 منشآت من نحو مليوني منشأة بنهاية 2012!

إننا نعود للنقطة الأولى من بداية القصّة؛ النفط. ليت وزارة العمل تدرك أن تشوهات سوق العمل منشأها هشاشة القاعدة الإنتاجية للاقتصاد (11 في المائة خارج موارد النفط)، وأنّ الدفع القسري بمئات الآلاف من المواطنين والمواطنات في وظائف منشآت القطاع الخاص المتدنية المهارات والمتدنية الأجور ليس على الإطلاق حلاً، ولا يجدر أن نضعه عنواناً لإنجازاتٍ هي في الأصل ليست كذلك، وأن تتذكّر تلك الوزارة أن الدولة أنفقت تريليونات الريالات على تعليمهم وتأهيلهم (فاتورة المبتعثين أكبر)، وأنّ كل ذلك وما يرتبط به من مخاطر لا يتسع المجال لذكرها هنا؛ سيقودنا إلى منطقةٍ من التحديات والأزمات أكثر تعقيداً من التي نقفُ عليها اليوم! إنّها تضاريسٌ هابطة نتقدّم عليها، لا يوجد في نهايتها إلا قاع سحيق، أتمنّى ألا نتورّط فيه، وإنْ كنت أرى أنَّ شرائح منّا قد ابتلعها ذلك القاع السحيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/08/article_761620.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.