العقار .. سعرٌ عادل أم مائل؟

معلومٌ في الأدبيات الاقتصادية أن سعر السلعة أو الخدمة أو المنتج أو الأصل وكل ما يتم تقييمه بالنقد، إن تعرضتْ قوى العرض والطلب عليه للاختلال أو عدم التوازن! فإن ذلك سينعكس فوراً على السعر، سواءً بالارتفاع أو الانخفاض، ومن ثم فلا يُعد ذلك السعر عادلاً بأي حالٍ من الأحوال، كونه لم يأتِ ترجمةً مستقلةً لقوى العرض والطلب، المتعارف على القبول بها من لدن البائع والمشتري! بل كان نتيجةً لمحدداتٍ أخرى لا تمتّ بأي صلةٍ لهاتين القوتين (العرض والطلب).

لقد اتفقت كل الشرائع والقوانين والنُّظم، القديم منها والحديث، على تحريم وتجريم أيّ محدداتٍ للسعر خلاف القوى المستقلّة للعرض والطلب، واعتبرتْ أيَّ تلاعبٍ أو تدخّلٍ أو تحكمٍ فيها؛ جريمةً تقتضي إيقاع العقوبة على مرتكبها! من الأمثلة الشائعة على ذلك: الاحتكار، الإغراق، التغرير، الغش، التزوير، الاستفادة حصراً من معلومات داخلية دون الآخرين، إلى آخر تلك الجرائم والمخالفات الشائعة في عُرْف الأسواق.

لهذا انصبّ تركيز مشرّعي الأنظمة والقوانين، والقائمين على تنفيذها، حتى لدى راسمي السياسات والبرامج في هذا الشأن، على أهمية حماية بيئة جميع الأسواق من أي اختلالٍ أو اختراق قد يؤثر دون وجه حق في قوى العرض والطلب، والعمل على ضمان انتقال الملكية بين البائعين والمشترين في بيئةٍ عادلة نزيهة تماماً، لا يحكمها إلا هاتان القوتان، دون النظر إلى التغيّرات الطارئة على الأسعار ارتفاعاً أو انخفاضاً، ما دام أنها تحددت وفقاً للقوى المستقلّة للعرض والطلب.

آتي الآن إلى سوق العقار والإسكان في اقتصادنا المحلي (اعتبر نظام التسجيل العيني للعقار الوحدة العقارية أنها: كل قطعة من الأرض بما عليها في بناء وغراس وغير ذلك، سواء كملكية خاصة أو عامّة)، الذي يشهد من المرحلة الراهنة تغيرات عميقة جداً، كردة فعلٍ جاءتْ متأخرةً كثيراً، تستهدف معالجة وإصلاح الاختلالات الخطيرة التي انحرفتْ بالسوق عن مسارها المفترض انسجامه مع الاقتصاد الكلي، لا أنْ يتحوّل إلى معولِ هدمٍ لمقدرات الاقتصاد والمجتمع. ونطرحُ جميعاً سؤال اليوم: هل أسعار العقار والمساكن لدينا عادلة أم لا؟ في طور الإجابة عن هذا السؤال المحوري؛ لا بد من أن تكون مستقلاً قدر الإمكان (عدم تضارب المصالح)، فلا تأخذ فقط برأي الملاك والبائعين الذين قد يرونه عادلاً، بل يرغبون في ارتفاعه أكثر! ولا برأي المشترين فقط لأن وجهة نظرهم ستكون مخالفة تماماً، ولا حتى بمن احترف مهنة (التثمين العقاري) كطرفٍ يزعم استقلاليته، وهي المهنة التي تعاني قصورا كبيرا في معايير الرقابة عليها، وفحص مؤهلات العاملين فيها، لدرجة يمكن القول معها أحياناً أمام نتائج تقييماتهم السنوية للعقارات إنها مجرد (تخمين) لا (تثمين).

تحدثتُ في مقال سابق في ”الاقتصادية”: (هل حانتْ ساعة انفجار فقاعة العقار؟) عن أهم مؤشرين يتم الاعتماد عليهما في تقييم أسعار العقارات؛ المؤشر الأول: مضاعف أسعار المساكن إلى الدخل المتاح للفرد، كمقياس يستهدف التعرّف على قدرة الفرد على تحمّل التكاليف. والمؤشر الثاني: مضاعف السعر إلى الإيجار، المشابه لمكرر الأرباح في تعاملات سوق الأسهم، وانتهى المقال بعد مقارناتٍ مع عددٍ من الاقتصادات حول العالم إلى ارتفاع مستويات الأسعار لدينا، وأنّها ضمن الدول الأعلى عالمياً. وهنا أستكمل الحديث عن تلك المسارات الشاهقة للارتفاعات بلغة الأرقام المستخرجة من واقع السوق والاقتصاد لدينا، وللتعرّف بدقةٍ أكبر على ما نقف عليه فعليا أمام ذلك التضخم في أسعار العقارات، وأنّها خرجتْ منذ زمنٍ عن النطاقات العادلة مقارنةً بالدخل المتاح.

لعل من أكثر العقبات التي تواجه الباحث في السوق العقارية، هو الغياب شبه التام للبيانات والمعلومات، إن لم تكن تلك العقبة هي الأهم على الإطلاق، وهو ما أفضى إلى ضعف القدرة على دراسة وتقييم أوضاع السوق. كان من حُسن الطالع أن بصيصاً نادراً منها توافر لدي من خلال البيانات المالية المدققة للأصول العقارية المملوكة لأحد الصناديق الاستثمارية المدرجة في السوق؛ هو صندوق سامبا العقاري الذي بدأ عمله مطلع 2007، حيث أظهرت التطورات الفعلية لأسعار مجموعة من العقارات المملوكة لديه توزّعت على مختلف أنحاء البلاد (التكلفة، القيمة الحالية سنوياً)، ومقارنتها بعددٍ من مؤشرات الاقتصاد الكلي ومستويات أجور ودخل الأفراد خلال الفترة 2007-2012 نتائج مذهلة جداً.

لقد أظهر مؤشر تلك الأصول العقارية بالصندوق الاستثماري خلال 2007 – 2012 ارتفاعاً تراكمياً وصل إلى 143 في المائة (بمتوسط سنوي 24 في المائة)، مقابل متوسط نمو حقيقي للاقتصاد الوطني لم يتجاوز 7.6 في المائة للفترة نفسها، ومتوسط نمو اسمي لم يتجاوز 15.5 في المائة للفترة نفسها. أمّا بمقارنة نمو مؤشر تلك الأصول العقارية مع مستويات ونمو دخل الأفراد، فإن الفجوة التضخمية أظهرتْ اتساعاً أكبر بصورةٍ لافتة ومقلقة! إذْ خلال فترة القياس لم يتجاوز النمو التراكمي لأجور العاملين السعوديين سقف 29.6 في المائة (متوسط سنوي 4.9 في المائة)، بما يُشير إلى أن نمو أسعار العقار للفترة 2007 – 2012 بلغ خمسة أضعاف نمو الأجور! وهذه حقيقة تحمل صدمةً أكبر من صدمة النتائج التي تم التوصّل إليها في مقارنة مستويات الأسعار ببقية الاقتصادات حول العالم!

أخيراً وليس آخراً، بيّنتْ أيضاً بيانات الحسابات القومية لاقتصادنا أن قيمة تملك المساكن ارتفعت بنحو 127 في المائة في أقل من عقدٍ زمني مضى، وهو ما يلتقي إلى حدٍّ بعيد ذات النتائج أعلاه! ووفقاً لما أظهرته تلك النتائج القياسية الموثقة في مصادرها، يمكننا الإجابة عن سؤال المقال بحيادية بأنَّ الأسعار التي وصلتْ إليها العقارات والمساكن في بلادنا، بلغتْ من الارتفاع الشاهق الذي لا يمتُّ بأي صلةٍ لا إلى الاقتصاد الوطني ولا إلى مستويات الأجور القائمة في الوقت الراهن! ما يقتضي بدوره التأكيد على ضرورة إسراع وزارة الإسكان باستكمال إجراءاتها الهادفة لإصلاح ومعالجة تلك الاختلالات في السوق العقارية المحلية، سواءً عبر ضخِّ المزيد من المعروض لإعادة التوازن المفقود إلى السوق، أو عبر تعاونها مع كلٍّ من وزارتي العدل والشؤون البلدية والقروية تمهيداً لفرض الرسوم على الأراضي البيضاء، إضافةً إلى رسوم الخدمات على عروض العقار خارج ملكية الحكومة، للعودة بالأسعار إلى منطقة العدالة بين البائعين والمشترين، وإنهاءً للحالة المقلقة لميل الأسعار لمصلحة البائعين على حساب الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/05/article_760892.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.