بين سوف ويجب .. ضاعت الطاسة

إنّه عنوان حديث طويل جرى مع أحد القيادات المخلصة في هذا الوطن الغالي، غلب عليه الصدق والصراحة والشفافية حول مختلف التحديات والمتغيرات التي تمرُّ بها بلادنا، امتدَّ حديثنا الثمين من عهد ما قبل الطفرة إلى وقتنا الراهن، وإلى ما في رحم المستقبل.

ما قصّة هذه الـ ”سوف” من طرف، ومن طرفٍ آخر الـ ”يجب”؟ باختصار؛ إنّها الجدلية اللامنتهية بين المسؤول الحكومي من جهة، ومن جهةٍ أخرى المواطن بصفةٍ عامّة وأصحاب الرأي بصفةٍ خاصة! المسؤول الحكومي اعتاد أن يحمل معه هذه الـ ”سوف” في حلّه وترحاله، لا تفارقه أبداً في حديثه الخاص أو العام! في المقابل؛ يواجهه المواطن أو صاحب الرأي بما ”يجب” عند أي قرارٍ أو إجراء أو تصريح يزمع المسؤول الحكومي اتخاذه، أو اتخذه فعلا ولم يتحقق أيٌّ من تسويفاته ما يملأ كفّ طفل.

المسؤول يؤكد على الدوام أنّه ”سوف” يقوم بكذا، ويقرر كذا، ويعِدُ بكذا! وأنَّ كل ما سيقوم به ”سوف” يفتح آفاقاً واسعة للتقدّم والتطوير، وسيقضي على السلبيات القائمة، إلى آخر ديباجة الكثير من التصريحات التي لا أوّل لها من آخر. يمرُّ الزمن سريعاً؛ فلا ”سوف” رأيتَ أو سمعت لها أثرا، ولا تلك الآفاق أشرقت لها شمس أو حتى قمر! لتحضر على الفور الآراء والطروحات بما كان ”يجب” فعله، وبما ”يجب” اتخاذهُ قبل فوات الأوان.

أين تقع المشكلة؟ أنّ كلا الطرفين سواءً من قال ”سوف” أو الأخرى ”يجب”، لا يبيّن أي منهما ”كيف” سيحقق وعده بالإنجاز إن كان مسؤولاً، أو كان صاحب رأي. وكما يبدو من تكرار تلك التجارب واستمرارها طوال العقود الماضية، ورغم تفاقم نتائجها الوخيمة على كاهل الاقتصاد والتنمية بصورةٍ عامّة، إلا أنَّ هذه الـ ”كيف” تظلُّ مجهولة بنسبةٍ كبيرة لدى الطرفين! وأن الضحية ومن يدفع الثمن في نهاية الأمر هو الوطن والمجتمع ومقدراتهما.

حسناً، ما هي الحلول للخروج من هذا المأزق أو الحلقة المفرغة؟ لن أقول ”يجب”، بل سأطرح التساؤلات التالية، ومن ثم نرى معاً ما يمكن فعله: هل تتمتع السياسات والبرامج التي تتحرك تحت مظلّتها كافّة الأجهزة الحكومية بالجودة والكفاءة اللازمة، فيما ينحصر القصور في التنفيذ والترجمة الخاطئة لتلك السياسات من قبل الأجهزة؟ أم أنّه العكس؛ أنّ الأجهزة الحكومية تتمتّع بوجود الكفاءات والقدرات اللازمة لتحقيق الإنجازات، لكنها تصطدم في نهاية الأمر بالقصور والجمود الكامن في نسيج تلك السياسات والبرامج الأعلى منها؟ أم أنَّ الحالة أسوأ من كل ما سبق؛ وأنّ القصور والخلل يكمن في كلٍ من السياسات وفي الأجهزة المكلفة بترجمتها على أرض الواقع؟ يمثّل معرفة وتحديد أساس الداء 50 في المائة من الحل، وهو ما يُسهّل لاحقاً من مهام اقتراح الحلول، ومن ثم بذل الجهد اللازم لتطبيقها والعمل وفق توصياتها. إذا كان الأمر بهذه الصورة الهيّنة، فلماذا لا نراها على أرض الواقع، وكفى الله المؤمنين القتال؟

أؤكدُ قبل ”سوف” و”يجب” اللتين تشتّتْ بينهما الموارد والجهود والطموحات، وقبل ”كيف” التي يُظنُّ أنّ غيابها أساس القصور وسوء التنفيذ! وعطفاً على ما ذُكر أعلاه حول كفاءة وجودة السياسات والبرامج وآلية ترجمتها من قِبل الأجهزة الحكومية من عدمها، أؤكّد مجدداً أن غياب أو ضعف ركيزتين أساسيتين في الصورة الكاملة للمشهد التنموي في واقعنا الراهن؛ هو في حقيقة الأمر أساس المعضلة، وهو الحلقة المفقودة، التي في غيابها وضعفها وقعنا جميعاً في هذا المأزق، حتى غدونا ندور حول أنفسنا في حلقةٍ مفرغة بين ”سوف” و”يجب”!

الركيزة الأولى: اختيار وتكليف الأكفأ والأجدر بالمناصب الحكومية، فهو من يعرف بالتحديد ”كيف” قبل أن يُطلق أية وعودٍ أو تصريحاتٍ تحت مظلّة ”سوف”، كما أنَّ نجاحه وتقدّم منجزاته على أرض الواقع ستريحه وتريحنا من أية ”يجب” يُحتمل صدورها من أي طرفٍ آخر. وهو أيضا المرء الأكثر قدرةً على تجاوز أية معضلاتٍ قد تتعلق بتأخّر السياسات والبرامج، أو أي وجوهٍ للقصور في الموارد البشرية العاملة تحت إدارته! فإن كانت الأولى؛ فهو يمتلك الثقة والمعرفة والقدرة على اقتراح تطوير وتحسين تلك السياسات دون الاستسلام والرضوخ لها. وإن كانتْ الثانية؛ فإنّه يمتلك الشجاعة الكافية لاتخاذ ما يلزم وفقاً لخياراته المتاحة، التي يتحاشى الاعتماد عليها من تفتقر شخصيته وفكره للكفاءة والتأهيل!

الركيزة الثانية: التوطيد التام لآليات الرقابة والمراجعة والمساءلة، التي من أهم ما ستؤتيه من ثمار، أنّ المسؤول المرشح -وإن كان الأكفأ والأجدر- سيأخذ هذا بعين الاعتبار قبل أيّ عاملٍ آخر، ويرسّخ في ذهنه أنَّ المنصب المرشح له ”تكليفٌ” إلى حدِّ أنّه سيلغي حتى من تفكيره أي احتمالات بكونه ”تشريفا”.

هذا ليس ابتكارا أنسبه لي، إنّه النموذج المعمول به في كافّة الاقتصادات الناجحة والمنجزة، وهو الرابط المشترط للتقدّم والنمو بين الأمم، التي دوّن ويدوّن التاريخ علو كعبها على ما سواها من الأمم. ولكَ أن تتساءل الآن؛ هل من المحتمل تحت مظلة تلكما الركيزتين أعلاه أن يقدّم أي مسؤولٍ كان، وعداً بالإنجاز لأمرٍ أو مشروعٍ لا يعلم هو ”كيف” ينجزه، أو لا يستطيع الوفاء به؟! وهل بعدئذ يحتمل أن تثور وتعلو الآراء الأخرى بما ”يجب” ولا ”يجب”؟! أترك الإجابة للقارئ الكريم.

خلاصة الحديث؛ غياب الركيزتين أعلاه أفضى إلى حشرنا في الحلقة المفرغة المكوّنة من ”سوف” و ”يجب”، وقلّص كثيراً من احتمالات تقدمنا وإنجازنا على أرض الواقع. من ثم فما نحن تحت مآثمه ليس إلا نتيجة، قبل أن يكون واقعاً معاشاً لم يفرض نفسه علينا، بقدر ما أننا نحن فقط من يتحمّل مسؤولية تورّطنا فيه. وأنّ أي جهدٍ وعملٍ يستهدف الخروج من هذه الورطة الحضارية، لا يمكن أن يُكتب له النجاح بعيداً عن تلكما الركيزيتن! مهما حظيتْ أيٌّ من حيثيات ومبررات ”سوف” أو ”يجب” بالعقلانية وقوّة الحجّة، أو حتى بالسمات العملية. انتهى الحديث، ولم تنته قضيته!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/06/03/article_760332.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.