الأسهم أو العقار.. راحتْ على السوقين

علاقة اللدودين كما تعارف عليه منطق المضاربة لا الاستثمار طوال أكثر من عقدٍ مضى، علا كعبُ سوق الأسهم خلال 2002 ــ 2005 حتى جاءها أجلها في 26 شباط (فبراير) 2006، بعد أن وصلتْ قيمتها الرأسمالية إلى 3.1 تريليون ريال! فيما ”مرضت” سوق العقار كما يُحب قول ذلك أنصارها التقليديون، ولم ”تمتْ” طوال تلك الفترة، ومرّتَ بحالةٍ من الركود، سرعان ما تعافتْ أسعارها بعد انهيار سوق الأسهم، ولا تزال حتى الساعة الراهنة تختالُ زهواً بما وصلت إليه من مستوياتٍ سعرية.

إنّها علاقةٌ عكسية بين الطرفين، أصبح يدركها الجميع ولا جديد في هذا، وكلا الاثنين على علاقةٍ عكسية مع الاقتصاد ومقدراته! فلم تنفع سوق الأسهم حين ارتفاعها الاقتصاد ولا المجتمع، بل ألحقتْ به ضرراً جسيماً حينما انهارت، وكذا الحال بالنسبة للسوق العقارية، فما وصلتْ إليه من مستوياتٍ لم تعد تعكس ولا تعبّر بأي حالٍ من الأحوال عن أيّ تعافٍ للاقتصاد، بل خرجتْ عن طوره كما سبق وفعلتْ سوق الأسهم، لتلحق هي أيضاً نتيجة ارتفاعاتها السعرية الشاهقة أضراراً جسيمة بالاقتصاد، وهو الذي لم يتعافَ في الأصل مما لحق به جرّاء انهيار سوق المال.

حالتا ”التعافي الوهمي” اللتين مرّتا بسوقي الأسهم والعقار، لم تكونا أكثر من مجرّد تدويرٍ مضاربي للسيولة الهائلة في الاقتصاد المحلي، ذلك الاقتصاد الذي حينما عجز عن خلق فرصٍ حقيقية للاستثمار، ومع بدء عودة السيولة من الخارج عقب أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، زاد من تدفقاتها التحسّن المطرد لأسعار النفط من 23.1 دولار للبرميل 2001 إلى 50.2 دولار للبرميل بنهاية 2005 (+117.5 في المائة)، لتتجه دون عناء إلى سوقٍ مالية ضحلة (68 شركة فقط، بقيمة سوقية 280.7 مليار ريال 2002)، لا يتجاوز عدد المتعاملين فيها 52.6 ألف متعامل! قد يتساءل البعض؛ لماذا لم تتجه حينها تلك السيولة إلى سوق العقار؟! بإجابةٍ مختصرة: لعبَ إدراج شركة الاتصالات السعودية نهاية 2002، دور ”الشرارة الكبرى” التي لفتت انتباه أغلب أفراد المجتمع لهذا المجال الجديد للاستثمار، وهو ما دفع حتى بالكثير من تجّار العقار للاتجاه نحو سوق الأسهم، خاصةً ذات سيولةٍ أسرع، وذات تكلفةٍ وعناءٍ أقل من مثيله بسوق العقار، لتشهد السوق ارتفاعاً كبيراً بأعداد المتعاملين وصل حين انهيار السوق لنحو ثلاثة ملايين متعامل! وزاد من سخونة ”الفرن” إفراط البنوك بتسهيلاتها على المحافظ الاستثمارية للأفراد، بل وحتى الصناديق الاستثمارية التي كان يُنظر إليها أنّها الأوعية الأقل مخاطرة مقارنةً بغيرها، لم تسلم من تلك التسهيلات.

بعد شباط (فبراير) 2006؛ كأنّما تفجّرتْ السيولة من ينابيعها بصورةٍ لم يسبق لها مثيل في تاريخ الاقتصاد، لتبدأ موجة التضخم باكتساح مختلف قطاعات الاقتصاد المحلي، كان أكثر المتأثرين (أو المستفيدين) السوق العقارية، علماً أنَّ منابع السيولة هذه المرة زاد زخمها بدرجةٍ أكبر من فترة رواج الأسهم؛ حيث واصلت أسعار النفط ارتفاعاتها من 50.2 دولار للبرميل لتصل إلى 110.2 دولار للبرميل (+119.8 في المائة)، زاد من تدفقها ارتفاع الإنفاق الحكومي الرأسمالي، الذي وصل لأكثر من 1.2 تريليون ريال خلال 2006 ـــ 2012، هذا عدا زيادة الإنفاق الجاري للفترة نفسها لنحو 3.1 تريليون ريال (المجموع 4.3 تريليون ريال)، ودخل على الطريق عامل إضافي ضاعف من وتيرة ارتفاع الأسعار، تمثّل في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي وصلت خلال الفترة لنحو 662 مليار ريال، ولعله من حُسن الطالع (رغم سلبيته في حقيقة الأمر) أنَّ جزءاً من السيولة المحلية تسرّب لخارج الاقتصاد، بلغتْ قيمته التراكمية أكثر من 606.4 مليار ريال خلال الفترة! ولك أنْ تتخيل ماذا كان سيحدث للأسعار لو بقيتْ تلك السيولة بالداخل إزاء استمرار ضيق الفرص الاستثمارية.

اليوم، وصلنا إلى مرحلةٍ زمنية مفصلية! ذهب البعض بفكره إلى أنَّ أسعار العقار المرتفعة آن لها أن تعود إلى الطريق المقبول؛ قياساً على ما ستقوم به الدولة من إصلاحاتٍ للسوق العقارية، وأنَّ موجة تصحيحٍ لتلك الأسعار الشاهقة قد اقترب موعدها، أو هو قد بدأ! فهل ستعود السيولة ”المضاربية” لتتدفق مرةً أخرى لسوق الأسهم؟!

قبل الإجابة؛ خضعتْ سوق الأسهم طوال الفترة الماضية للكثير من الإصلاحات والتغييرات الهيكلية، إضافةً إلى زيادة قوانين الرقابة والحوكمة على تعاملات السوق، نجح منها ما نجح، وفشل ما فشل! في الوقت ذاته، اكتسبَ مجتمع المتعاملين (4.1 مليون متعامل) خبرةً ودرايةً دفعوا ثمنها باهظاً، وبالنظرِ إلى نتيجة كل ذلك الآن وانعكاسه على وضعية السوق اليوم، فإننا سنجد أنّه في الحقيقة كشركاتٍ مدرجة بلغ عددها 160 شركة، لم تُفلح أغلب الإدراجات في تحسين صورتها الاستثمارية، إذْ إنَّ 51.3 في المائة من صافي أرباحها مصدرها خمس شركاتٍ فقط! في حين يأتي 84 في المائة من الأرباح من 20 شركة فقط، وتساهم 140 شركة ببقية الأرباح!

إذاً، من يظنُّ أن ”المغامرة” السابقة التي عاشتها السوق قبل انهيارها ستعود، فإن ظنّه بعيدٌ عن الصواب، فالأنظمة والرقابة على السوق قد زادتْ مقارنةً بالسابق، وخبرة ودراية المتعاملين تحسّنتْ بدورها أيضاً. والحال ذاته ينطبق على السوق العقارية؛ إذْ إنّها وصلتْ إلى مستوياتٍ عالية المخاطر، وذات آثارٍ مدمّرة على دخل الأفراد والاستقرار الاقتصادي، وأصبح تدخّل الدولة لمعالجة أشكال الاحتكار والمضاربات والمزادات المضللة فيها أمراً لا مفرّ منه. هل بهذا يمكن القول: إنَّ فصول لعبة (كرّ وفرّ) السيولة بين السوقين قد انتهت؟! الإجابة: نعم إلى حدٍّ بعيد.فكما أنَّ سوق المال لن تعود لسابق عهدها ”صعوداً” إلا بتحقق نموٍ فعلي في أرباح شركاتها ”وهي عن ذلك بعيدة كما تبيّن أعلاه”، ووفق الأنظمة واللوائح الأفضل التي تحكمها اليوم، فقد جاء الدور على السوق العقارية لتخضع هي أيضاً بدورها للقانون والتنظيم والإشراف والرقابة عليها.

إنّ السوقين كما أنهما بحاجةٍ للتشدد والصرامة من ناحية النظام والرقابة، فالاقتصاد المحلي في حاجةٍ أكبر لأجل تسهيل وتيسير بيئته الاستثمارية! وفي حال تعثر الأخيرة، فإنَّ الاقتصاد سيكون على موعدٍ بالغ الضرر؛ هو استمرار وزيادة هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، ولهذا حديثٌ قادم.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/05/29/article_759221.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.