«المتكاملة» .. مَن الذي سيدفع ثمن الفوضى؟

الجواب من الأخير: (1) إنهم فقط المكتتبون في الشركة حتى آخر المساهمين، الذين طبق عليهم قرار هيئة السوق المالية بتعليق التداول على أسهم الشركة، ثم إلغاء تداولها استناداً إلى إلغاء الموافقة على الترخيص للشركة بالأمر السامي. (2) الاقتصاد الوطني، وتحديداً الثقة ببيئته الاستثمارية، التي تقدّم جميع الحكومات حول العالم أقصى جهودها وحرصها واهتمامها للمحافظة عليها وتنميتها، على عكس ما يجري لدينا؛ وليست قضية شركة المتكاملة إلا رقما صغيرا في مصفوفةٍ أوسع نطاقاً من عدم الاهتمام بتعزيز هذه الثقة وصيانتها.

لن أُهدر وقت القارئ الكريم في إعادة سرد ما تمَّ الإفصاح والكتابة والحديث عنه بخصوص هذه الشركة، ليس فقط منذ صدور القرار الأخير، بل منذ أكثر من عامٍ مضى مع أوّل قرارات هيئة السوق المالية بتعليق التداول على أسهمها قبل حتى أن تنهي عاماً من الإدراج. لقد أُشبع كتابةً وتحليلاً إلى درجةٍ لا أقول إنها أوفتْ بالإيضاح للعموم، بل إلى درجةٍ مثالية أكّدتْ اتساع (الفراغ التنظيمي والرقابي) بين جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة بقضية شركة المتكاملة! هذه الجهات: وزارة التجارة والصناعة، هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، هيئة السوق المالية، ومؤسسة النقد العربي السعودي. دعْ عنك ما تورّط فيه كل من مجلس إدارة الشركة ومصرف الراجحي من أعمالٍ، ساهمتْ بصورةٍ مؤكدة في الوصول بمصير الشركة وأموال المساهمين فيها إلى المآل المؤسف الذي وصلتْ إليه.

أتظنُّ تلك الأطراف أعلاه كافة وقبلها مجلس إدارة الشركة أنَّ ما صدر ويصدر من تصريحات وبيانات محسوبٌ لهم في رصيد الشفافية، وتحمّل المسؤولية؟! سأصحح لهم الصورة قليلاً! إنّها اعترافاتٌ صريحة بالتقصير وعدم الالتزام بما نصّتْ عليه المسؤوليات والواجبات النظامية الملقاة على عاتق كل طرفٍ منها! وبما أنّها قد صدرتْ وأصبحتْ معلنة، فقد أصبحتْ (حجّة دامغة) بيد مجتمع المكتتبين والمساهمين لتقديمها إلى سدّة القضاء، والمطالبة بموجبها برفع الضرر الفادح والكبير الذي لحق بأموالهم جرّاء تلك المخالفات والقصور. يكفي هنا طرح التساؤل التالي: أين كانتْ هذه الحقائق الغامضة، التي لم يُعلن عنها إلا بعد خراب مالطا؟ ولماذا لم يتم الإفصاح عنها كاملة (وليس جزئياً ما زاد من غموضها) منذ أوّل يومٍ أُعلنت أمام مجتمع المستثمرين في السوق المالية المحلية؟!

إننا في حقيقة الأمر أمام قضيتين قانونيتين منفصلتين تماماً من حيث الحقوق؛ القضية الأولى وهي الأهم: استرداد كامل حقوق المكتتبين والمساهمين المتضررين في الشركة، وخصمهم هنا ليس فقط مجلس إدارة الشركة فحسب (الذي كفل للمساهمين بموجب نظام الشركة: أن لكل مساهم الحق في رفع دعوى المسؤولية المقررة للشركة على أعضاء مجلس الإدارة، إذا كان من شأن الخطأ الذي صدر منهم إلحاق ضرر خاص به بشرط أن يكون حق الشركة في رفعها ما زال قائماً)، بل يُضاف إليها جميع الجهات الحكومية التي سوّغتْ نظاماً لتسلم أموال المكتتبين وتداولها بين المساهمين! هذه قضيةٌ بالغة الأهمية، يجب ألا تختلط حقوق أصحابها لا من قريب ولا من بعيد مع أية قضايا أخرى مهما كانتْ بين بقية الأطراف المذكورة أعلاه.

القضية الثانية: تسوية الخلاف بين مجلس إدارة الشركة من جهة وبقية الجهات الحكومية ومصرف الراجحي وأي أطرافٍ أخرى من جهة أخرى، وفق ما تراه الدولة، وبالطريقة التي تُغلق ملفها تماماً. وهو ما يجب ألا يتم تحميل مثقال ذرّةٍ من أعبائه القانونية أو المادية أو الإجرائية على حساب مجتمع المكتتبين والمساهمين. هذه قضيةٌ أصل العدالة فيها أن تتم تسويتها بعيداً عن ذمّة المستثمرين، كون ذمّة الطرف الأخير التي لحقها الضرر الأكبر تُعدُّ مستقلةً تماماً، وبعيدةً كل البعد عن جميع المقدّمات النظامية والقانونية، التي أفضتْ لأخذ أموالهم تحت مظلة الموافقات الرسمية لتلك الجهات! ولعل ما تكشّفتْ عنه التصريحات والإعلانات الأخيرة من (حقائق دامغة) بصورتها الكاملة وليستْ المجزأة والغامضة، أؤكد أنها لو كانت بهذا الوضوح لما دفع فيها أيٌّ من المستثمرين ريالاً واحداً، دعْ عنك أنَّ أكثر من 1.1 مليون مكتتب دفعوا للاكتتاب فيها أكثر من 880 مليون ريال (تغطية أكثر من 500 في المائة) لأجل الحصة المطروحة للاكتتاب من الشركة بما قيمته 300 مليون ريال (باستثناء حصة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية)!

إنَّ على تلك الجهات الحكومية إدراك أنَّ تعويض مجتمع المستثمرين في الشركة (خاصةً من طبق عليهم قرار الإيقاف، حسب آخر سعرٍ سوقي لسهم الشركة) بكامل خسارتهم فيها، أنّها تتجاوز مجرد فكرة رفع الأضرار الجسيمة التي لحقتْ بهم! إنّها في الحقيقة تفصل القول في مسألة: هل هناك ما يبذل فعلاً ويستحق من قبل الحكومة للمحافظة على الثقة ببيئة الاستثمار المحلية وتنميتها أم لا؟ وفي هذه النقطة تحديداً أقولها مخلصاً إنَّ استخلاصاً لتلك الحقوق تحت مظلة القضاء الملتزم بشرع الله، الذي كلنا ثقةً به، أؤكد أنه إن حدث فإن الثقة ستتنامى فقط للقضاء، دون الثقة ببيئة الاستثمار التي ستتضرر أكثر من ضررها الراهن. لهذا، فلتكن المبادرة من قبل تلك الأجهزة التي تسببتْ في وقوع هذه الكارثة، بإعادة حقوق المساهمين ودفع الضرر غير المبرر عنهم، قبل أن يُفصل فيها تحت مظلة القضاء، ففي هذه الخطوة ما سيعيد الكثير جداً من رصيد الثقة، الذي تسرّبت منه ما يفوق أضعافاً مضاعفة قيمة المليار ريال المعادلة لرأسمال الشركة!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/05/13/article_755400.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.