السعودة.. ضع الحصان أمام العربة أولاً

قصةٌ قصيرة لا بد منها قبل التوسّع فيما قد يُساهم في تحقيق جهود التوطين. تقول القصّة: استلم ”مهندسٌ” موافقة ”المدير العام” للبدء في تنفيذ أكبر مشروع لشركته، تمثّل في إنشاء طريق بين أكبر مدينتين في البلاد بطول 400 كيلومتر. صمّمَ ”المهندس” أن يُنجز وفريقه المشروع في أقصر فترةٍ ممكنة! وفوراً بدأ الجميع بالعمل الكثيف دون كللٍ أو ملل. أكّدتْ التقارير الدورية لتقدّم المشروع ما أبهر الجميع، فما كان مخططاً لإنجازه في شهرٍ واحد تم إنجازه في أسبوع!

دكَّ فريق العمل جبالاً راسيات حتى ساواها بالأرض، واقتلع غاباتٍ حتى آخر شجرةٍ فيها، تجاوز المنخفضات والمستنقعات وكل التحديات. وصل ”المهندس” مع فريقه للكيلو متر الأخير ليجدوا أمامهم صدمةً عظمى؛ المدينة الأخرى غير موجودة على الإطلاق! فلا يوجد إلا صحارى قفار! على الفور عقد ”المهندس” مع فريقه اجتماعاً عاجلاً، اتسم بطول النقاش والجدال والتفكير.

لقد ارتكب الخطأ الفادح في بداية تنفيذ المشروع، كان صغيراً جداً لم ينتبه إليه أحد. اكتشف الجميع أن اتجاهي ”الشمال ـــ الجنوب” على خريطة المشروع قد كُتبا بالخطأ، ليصبح الشمال جنوباً، والجنوب شمالاً. أُسقط في أيدي الجميع دون استثناء، وخسرت الشركة المليارات. هم الآن على بعد 800 كيلومتر من الهدف الصحيح!

سرُّ النجاح الذي غاب هنا مكوّنٌ من: (1) الرؤية الشاملة والدقيقة للمشروع (الاتجاه السليم)، التي تريد تحقيق.. (2) إمّا أهدافاً واضحة المعالم، أو قضاءً على مشاكل وتحديات أعاقتْ تحقيقها، وذلك وفق.. (3) أدواتٍ ووسائل محددةٍ، بأقل تكلفة ممكنة، وأعلى عائدٍ ممكن، وبمستوى مخاطرة يمكن تحمّله. طبّقه على ما جرى أعلاه، ثم قارن! لو وجدتْ متوالية ”سر” النجاح فيما ذكر أعلاه، لما تطلب الأمر أبداً اقتلاع تلك الغابات من الأشجار، ولا دكِّ تلك الجبال، ولا ذلك الاستهلاك للوقود والمعدّات والعمالة وتحمّل تكاليفها الباهظة.

يا وزارة العمل؛ ماذا تقول لكِ الرؤية الشاملة لاقتصادنا الوطني قبل أن تتوغلي في جزء منه ممثلاً في سوق العمل؟! هل أدركتِ مدى تعمّق التشوهات فيه عموماً قبل أن تواجهي مجرد نتائجها في تلك السوق؟! ألم تدركِي أن انخفاض إنتاجيته، ونقص مهارات مكوناته ”منشآت، وعمالة”، وكون القطاع الخاص في أغلبه قائمٌ على أخطر ما يقوّض بنيان أيّ اقتصادٍ في العالم: (1) إمّا أنّه قائمٌ على الاستيراد بالجملة ”الواردات السلعية 39 في المائة من حجم الاقتصاد غير النفطي”، ومن ثم بيعها محلياً بالتجزئة ”استحوذ النشاط على 18 في المائة من إجمالي العمالة 2012، بنسبة توطين 16.2 في المائة”. (2) أو أنّه قائمٌ على مناقصات الحكومة ”وصلتْ قيمة المشاريع الحكومية المعتمدة خلال 2010 ـــ 2013م إلى نحو 1.1 تريليون ريال”، لهذا استأثر نشاط التشييد والبناء بأعلى معدلات الاستقدام خلال تلك الفترة ”استحوذ النشاط على 47.3 في المائة من إجمالي العمالة، بنسبة توطين 9.8 في المائة”. (3) أو أنّه قائمٌ على المحفّزات الحكومية في مصادر الطاقة تحديداً ما ساهم في زيادة ربحيته ”كنشاط الصناعات التحويلية الذي استحوذ فقط على 9.9 في المائة من إجمالي العمالة، بنسبة توطين 16.2 في المائة”. (4) أو أنّه قائمٌ على الاحتكار كقطاع المصارف التجارية، محققاً معدلاً للتركّز يعتبر من أعلى المعدلات عالمياً ”استحوذ هذا النشاط على ما لا يزيد على 0.5 في المائة فقط من إجمالي العمالة، بنسبة توطين مرتفعة 84.8 في المائة”. إننا أمام سوق عمل ليس إلا نتيجةً لاقتصادٍ يعتمد في أغلبه على موردٍ وحيد ناضب، ومن ثم ليس مستغرباً أن تجد 81 في المائة من مؤهلات العمالة الوافدة فيه لا تتجاوز الشهادة الابتدائية ”2010”! ”ملاحظة: توقّفت وزارة العمل من بعد 2010 عن نشر بيانات التأهيل العلمي لأسبابٍ مجهولة، رغم أنها كانت تنشرها بانتظام قبل هذا التاريخ”.

وفق هذه الرؤية المختصرة؛ هل من المفترض أن تقوم وزارة العمل بتكرار تجربة المهندس أعلاه، وهو ما يجري بالتمام والكمال من إفراطٍ في الاعتماد على الكثير جداً من الإجراءات والقرارات والبرامج المتتالية! لكن في غيابٍ تام للرؤية، وغياب للاتجاه. يا سادة يا كرام؛ هناك ما يتطلب إعادة تهيئته ممثلاً في اقتصادنا بأكمله، قبل أن يتم فقط إجراء مئات العمليات على مجرد جزء معتلٍ من كامل الجسد! أعلم الآن بالصدمة؛ هذه الرؤية غابت مع غياب ”استراتيجية التوظيف الوطنية”، التي دخلتْ أحد أدراج النسيان في وزارة العمل ولم ترَ النور من بعدها.

إنَّ اقتلاع آلاف الأشجار من الغابات صورةٌ مثالية لتوظيف مئات المواطنين في وظائف متدنية المهارات! غير أن الخسارة هنا أكبر؛ إذْ كابدتْ الدولة مئات المليارات على تعليمهم، وها هي تخسرها مرةً أخرى بحشرهم فيما لم يتم تأهليهم لأجله! إنّه هدرٌ عظيم باهظ الثمن، تلك وظائف أفرزتها تشوهات الاقتصاد، ها نحن ندفع ملياراتٍ أخرى للمحافظة عليها، وإلصاقها بمصير ومستقبل شباب الوطن.

أخيراً؛ هل تعتقدُ وقد غابت ”الرؤية والاتجاه” أن أهدافاً تخدم الاقتصاد الوطني، أو عوائق تعطّله قد ترى النور بعدئذ؟! هل تعتقد والحال تلك أنّ ما تلا ذلك الغياب، وتشتتٍ للأهداف، أنَّ مئات الوسائل والوصفات للعلاج قد تفلح؟! إن أجبتَ بنعم فلن تجد إلا الصحارى القفار التي وجدها المهندس أعلاه، وإنْ أجبتَ بلا فقد نجوتَ، وما عليك سوى البدء بالعمل من جديد.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/05/08/article_754000.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.