سوق الإسكان السعودي.. الأزمة والحلول (2-2)

استكمل في هذا الجزء الأخير الحديث عن أهم الحلول الممكنة للمعالجة والتخلص من أوجاع وأثقال هذه الأزمة المفتعلة في سوق الإسكان، بعد أن تطرقت في الجزء الأول منه الحديث عن حقيقة هذه الأزمة، وأهم الأسباب التي أفضت إلى حدوثها.
نبدأ من الحلول في معالجة الأسباب الفعلية وراء نشوء الأزمة، والتي تمحورت كما اتضح من:
1 – الضيق الشديد التي عانت وتعاني منه قنوات الاستثمار المحلية، أمام سيولة محلية هائلة في الاقتصاد، وجدت أمامها منفذاً قليل المخاطرة، معدوم التكاليف، كما أنه الأجدى استثمارياً ممثلاً بامتلاك الأراضي والاحتفاظ بها أطول فترة زمنية ممكنة، ليكون بذلك أفضل مخزن للقيمة وحافظ لها.
2 – زاد من وتيرة الارتفاعات في الأسعار تدفق المزيد من السيولة المضاربية الباحثة عن مكاسب سريعة، ولعل جزءاً كبيراً منها خرج من سوق المال المحلية – بعد أن فقدت بريقها – لتتدفق في السوق العقارية، مكررة عملياتها التدويرية والمضاربية فيها، وهو ما أدى إلى تشكل فقاعة هائلة للأسعار.
3 – طبعاً لا بد من الإشارة إلى مساهمة أحد أخطر الثغرات التنظيمية المتمثلة في آلية المنح بمساحات شاسعة جداً لملاك محدودي العدد جداً، شرحت في الجزء الأول آلية انتقال ملكيتها لاحقاً بأسعار متدنية إلى ملاك مقتدرين مالياً إلى من بعدهم، وكيف تتصاعد أسعارها حتى تصل إلى المشتري الأخير (المستهلك)، وكيف خدمها السببان الأولان أعلاه.
4 – ارتفاع درجة التركز السكاني في مدن معدودة، زاد من تركزاته زيادة استقدام العمالة الوافدة من الخارج، حيث استأثرت خمس مدن رئيسة فقط (الرياض وجدة ومكة والمدينة والدمام) بما نسبته 44.1 بالمئة من إجمالي السكان (12.2 مليون نسمة)، في ما لا تتجاوز مساحته من إجمالي مساحة البلاد أكثر من 0.5 بالمئة ليصبح متوسط الكثافة السكانية للمدن الخمس أعلاه نحو 2321 نسمة، لكل كيلومتر مربع حسب تعداد 2010.
وعليه، لإيجاد أهم الحلول الممكنة التي ستساهم في فك الخناق عن «أم الأزمات» في جسم الاقتصاد السعودي، يمكن اقتراح هذه المقترحات أو الخيارات التالية:

أولاً: (خيار طويل الأجل)
تسهيل بيئة الاستثمار المحلية، والعمل على إيجاد بيئة أعمال خالية من المعوقات البيروقراطية الطاردة لتأسيس المشاريع والأعمال، والتي يؤمل معها أن تفتح آفاقاً واسعة من الفرص الاستثمارية المجدية أمام السيولة المحلية الهائلة الحجم.
يأتي في مقدمة تلك المهام فك التركزات الاحتكارية في العديد من الأسواق الجزئية، كالقطاع البنكي والسماح بتأسيس بنوك أخرى متعددة الأغراض، إضافة إلى العديد من الأسواق في القطاعات والصناعات المختلفة، وإعادة النظر في العديد من الامتيازات الحصرية للعديد من الشركات، والتعامل معها بآلية التعامل نفسها مع قطاع الاتصالات الذي شهد أكثر وأوسع الاصلاحات على طريق فتح المنافسة الكاملة بين شركاته، الذي انعكس بدوره إيجاباً على مستوى الخدمة وجودتها، مقابل أسعار منخفضة للمستهلكين، كل هذا من شأنه جذب الحصة الأكبر من السيولة المحلية الهائلة الباحثة عن قنوات استثمار، وفي الوقت ذاته سيقلل من احتقانها على السوق العقارية التي أدت زيادة تدفقاتها عليها إلى مزيد من الارتفاعات السعرية غير المبررة فيها.
ثانياً: (خيار طويل الأجل)
تشجيع التوسع في المدن الأقل سكانياً، وتطوير مستوى الخدمات الموجودة فيها، ومنح المزيد من الصلاحيات الحكومية لأماراتها ومحافظاتها، والتقليل من المركزية في تعاملات مختلف الجهات الحكومية، ما سيسهم في زيادة أعداد المدن الرئيسة من خمس مدن فقط، إلى 20 أو حتى 30 مدينة بالمستوى نفسه من الخدمات والبنى التحتية، طبعاً هذا من شأنه تخفيف درجة التركز الهائلة في المدن الخمس الآن، والذي بدوره سيسهم في إعادة توزيع السكان بصورة أكثر اتزاناً، ويخفف لاحقاً من الطلب على الإسكان في تلك المدن الرئيسة في الوقت الراهن، فيما سيعززه في المدن الجديدة المقترح زيادة الاهتمام بها وتطويرها، إضافة إلى تخفيف الضغط على الخدمات والكهرباء والمياة والعديد من خدمات البنى التحتية والبلدية في تلك المدن.
ثالثاً: (خيار متوسط الأجل)
إيقاف آلية منح الأراضي بمساحاتها الشاسعة أو حتى المتوسطة، وتحويل مسؤولياتها إلى وزارة الإسكان لتتولى بدورها عمليات تطوير وتهيئة الأراضي لتصبح قابلة للتطوير العقاري، ومنحها الصلاحيات اللازمة لتنظيم ومراقبة وصول تلك المساحات مطورة بالمشاركة مع القطاع الخاص (شركات التطوير العقاري) وفق آليات عالية الشفافية والمنافسة الكاملة بين الشركات.
رابعاً: (خيار متوسط الأجل)
فرض الزكاة على المساحات الكبرى من الأراضي المملوكة لملاك محدودين، كما قد يفضل إضافة رسوم سنوية متصاعدة القيمة عليها لفترة لا تتجاوز 5 سنوات، ومن بعدها إما أن يقوم المالك بتطوير الأرض تحت إشراف وزارة الإسكان، أو يتم انتزاعها منه لصالح الوزارة لتتولى هي بدورها عملية التطوير كما تمت الإشارة إليه في الخيار الثالث السابق، كما يجب أن تتفاوت نسب الرسوم على تملك الأراضي واكتنازها من مدينة إلى مدينة، ومن منطقة إلى منطقة أخرى، فكلما زادت الكثافة السكانية كلما زادت تلك الرسوم، وبالقدر نفسه يتم التعامل على مستوى العمر الزمني المسموح للمالك باحتفاظه بالأرض من دون أي تطوير، فكلما زادت الكثافة السكانية وكونها في مناطق سكنية أعلى تأهيلاً كلما تقلصت الفترة الزمنية الممنوحة له.
خامساً: (خيار متوسط الأجل)
أن تعمل وزارة الإسكان على خيارات متعددة وسريعة لتوفير المساكن للشرائح الاجتماعية المتدنية الدخل، والأكثر حاجة إلى السكن من غيرها، ولديها في هذا المجال العديد من الخيارات الواسعة والشاملة، ولعل ما يجدر اقتراحه هنا كحلول عاجلة، أن تقوم بتملك ما تستدعي إليه الحاجة من المبان الجاهزة الآن، والعالية المواصفات، وتأجيرها أو تمليكها بدون مقابل لتلك الأسر الأكثر احتياجاً من غيرها، كالفقراء والمتقاعدين والمطلقات وغيرهم من ذوي الحاجة القصوى للسكن.
سادساً:
طبعاً هناك الكثير من التشوهات التنظيمية والهيكلية في قطاع الإسكان، والسوق العقارية، وهو ما يؤكد على أهمية وضرورة تأسيس البنى التنظيمية وإصدار الأنظمة اللازمة لرفع مستوى كل من السوقين، وهذا يتطلب تكاتف الجهود الحكومية والأهلية مع وزارة الإسكان.
بالطبع هناك عدد من الحلول قام بطرحها عدد من الجهات في القطاع الخاص، كالسماح بتعدد الأدوار، وسرعة الموافقة على تراخيص البناء، وسرعة الموافقة على تمويل الأفراد بالقروض، وغيرها من المقترحات، إلا أن تلك الحلول والمقترحات – التي تجاهلت عمداً مواجهة الأسباب الفعلية وراء الخلل – أراها بكل أسف تحاول حماية المستويات السعرية الراهنة، وتحاول حماية التشوهات الراهنة في سوق الإسكان والسوق العقارية عموماً من أية معالجات هيكلية وتنظيمية أكثر جدية.

صحيفة الرؤية الاقتصادية الإماراتية: http://alrroya.com/node/177159

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

6 تعليقات على: سوق الإسكان السعودي.. الأزمة والحلول (2-2)

  1. محمد كتب:

    أشكرك أخي عبدالحميد فأنا متابع لك من فترة قصيرة ..
    سؤالي / هل تعتقد أن أسعار الأراضي قد تنخفض بعد الأوامر الملكية بأنشاء مساكن لمواطنين ؟

    • حياك الله أخي أ. محمد
      هذا أحد العوامل التي ستؤدي إلى ذلك، ولعلك لاحظت هروب الأموال المضاربية من السوق العقارية، وهذا بالتأكيد بدأ تأثيره على الأسعار بالتراجع في المواقع العقارية التي عُرفت بالمضاربات. مع الوقت وبتدافع العوامل التي ستدفع بالأسعار للتراجع واستمرار تراجعها لفترة قد تستغرق لأكثر من 8 سنوات قادمة.
      والعفو منك للتأخّر في الرد، ولك خالص التحية والتقدير

  2. أ.عيسى كتب:

    أستاذ عبدالحميد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …

    انا موظف راتبي 5550 ريــال سعودي هل تتوقع إني بقدر أتملك حتى لو شقه تمليك في مدينة جده ؟؟

    علما إني حاليا ساكن إيجار ووالدي إيجار وماعندنا بيت تمليك .

    هل في طريقه أقدر أسويها وأتملك بيت لأني ماني ب حاب أروح من الدنيا وانا ماتركت لأهلي بيت يسكنون فيه .

    • حياك الله أخي أ. عيسى
      والعفو لتأخري عليك، بحول الله سترى ما يسرّك قريباً، وأنا متقائل بقرب حل هذه الأزمة بناءً على جهود حقيقية من الدولة -أيدها الله- تجري الآن لأجل حل هذه الأزمة المفتعلة.
      وهو ما يعني أن خيارات وسبل تملكك لمنزل العمر ستتسع وتصبح متاحة بالنسبة لك قياساً على دخلك. وفقك الله، ولك أبلغ الشكر والتقدير لثقتك الغالية

  3. فهد صالح كتب:

    الاخ \ عبدالحميد العمري
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ماهي رؤيتكم للسوق العقاري بالسعودية في ظل الاسعار المبالغ فيها بشكل مخيف جدا , هل تنصح بالشراء في الوقت الراهن وهل هناك توضيحات اقتصادية لنزول اسعار العقار ؟

    مع خالص الشكر لكم

    • حياك الله أخي فهد صالح
      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،
      السوق العقارية بدأتْ منذ عدة أشهر بموجة من التراجع في الأسعار, ومع الوقت ستزداد بمشيئة الله موجة تلك التراجعات عمودياً وأفقياً.. ولهذا قد يكون من الأنسب التريث في مسألة الشراء، ولعل زيارة استطلاعية منك لعدد من المكاتب العقارية ستكشف لك الركود الذي تعاني منه السوق، والذي بدوره سيؤدي زيادة أمده إلى التأثير بصورةٍ أكبر على مستويات الأسعار، لتتراجع عن مستوياتها المبالغ فيها، حتى تستقر في مستويات تحظى بقبول جانب الطلب.
      وتفضّل بقبول وافر تحياتي وأعطرها، وكل الشكر والتقدير لثقتك أخي العزيز