نمو الاقتصاد والتوظيف.. مؤشر للمراجعة

ترتكز آلية بناء ومراجعة السياسات الاقتصادية المختلفة لأي اقتصاد في العالم على قاعدة أساسية مشتركة، تعتمد على تقييم نتائجها المتحققة، وتستند إلى الأرضية الأساسية التي تعكس الأداء الاقتصادي الكلي، بما تشمل عليه من مؤشرات بارزة يتقدمها النمو الاقتصادي الحقيقي (غير النفطي بالنسبة لنا)، والتضخم ومعدل البطالة وميزان المالية العامة ومستوى الدين العام والتنوع في القاعدة الإنتاجية والميزان التجاري وترسيخ المنافسة الكاملة والحد من الاحتكار وكفاءة الاستثمار، إلى آخر مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي بكافة تفرعاتها.
من تلك التفرعات المحورية التي عادة تجتذب اهتمام المراقبين حتى قبل اهتمام مصممي السياسات الاقتصادية، وذلك كمحدد تقييمي لتلك السياسات المتمثل في المقارنة بين النمو الحقيقي للاقتصاد غير النفطي من جهة، ومن جهة أخرى معدل النمو السكاني، تتحقق إيجابيته متى ما سجل النمو الاقتصادي الحقيقي غير النفطي هامشاً إيجابياً مع معدل النمو السكاني، تتحقق معه في المدى المتوسط والطويل مستويات معيشية جيدة ومتنامية للسكان، يشترط التحاق مبدأ كفاءة توزيع الدخل بين الأفراد به دون انفصال أو تأخير عنه.
هذا بالطبع لا ينفصل عن استهداف الانتقال ببنية الاقتصاد السعودي إلى مراحل أفضل وأكثر تنافسية، تضمن له ارتفاعاً حقيقياً طويل الأجل في الأداء الاقتصادي، ومستويات المعيشة، وخلق مزيد من فرص العمل المجدية، إضافة إلى إمكانية التوسع في فتح المزيد من المجالات الاستثمارية المفيدة أمام رؤوس الأموال الوطنية، وحتى تلك الأجنبية الباحثة عن قنوات حديثة مجدية مع التأكيد على أهمية العامل التقني الذي يتطلع الاقتصاد الوطني إليه قبل رأس المال، إلى غير ذلك من الآفاق الواسعة التي يمكن فتحها أمام الاقتصاد، والتي بالتأكيد ستصب في المصلحة العامة، لتشنأ عن طريقها حلقة نشطة من الدورة الاقتصادية المتصاعدة.

فكلما أظهرت إيجابية في الأجلين المتوسط والطويل على وجه الخصوص، كان مؤداها أن السياسات والآليات الحاكمة لمحركات الاقتصاد الكلي في وضع ملائم ومناسب.
أما إذا أظهرت نتائج مخالفة للأهداف التي من أجلها أقرت، فلا شك أنه يعني عدم ملاءمتها وضرورة التوقف عن اتباعها، والعمل على إحلال سياسات أخرى أكثر ملاءمة للاقتصاد.
وتتوزع مهام وأهداف تلك السياسات الاقتصادية بين العديد من المجالات المهمة الحيوية، لعل من أبرزها السياسات المالية والنقدية والتجارية والصناعية والخدماتية، إضافة إلى محور الحديث هنا ممثلاً في سياسة توطين سوق العمل، مع عدم إغفال بقية السياسات الاقتصادية المهمة الأخرى التي يفترض أن تجتمع نتائجها النهائية عند محددات التقييم المذكورة أعلاه.
وكون الحديث منصباً هنا على سياسة توطين سوق العمل، فإن العمل على تحقيق التجانس والانسجام داخل السوق، عبر المواءمة بين مخرجات التعليم والحصول على فرص العمل المناسبة واللائقة والكريمة، يدخل في صميم الجهاز الحكومي التنفيذي المتمثل في وزارة العمل.
وعليه، فإن تلك الوزارة تتحمل مسؤولية مهمة لا تقل عن أهمية ودور السياسات السالفة الذكر، وما تضطلع به من دور جوهري في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي، وتوفير الحوافز الحقيقية للنمو الاقتصادي المضطرد. بل إن سياسة التوطين من أهم ما تعتمد عليه الاقتصادات في مواجهة التداعيات السلبية على مختلف مجالات الاقتصاد والشرائح الاجتماعية المختلفة، بما يؤمل من وراءه تحقيق النجاح في مواجهة مخاطر ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، وانخفاض مستويات الدخل الحقيقي التي ترتبط مباشرة بدرجة ومستوى المعيشة والرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، التي بكل أسف أثبتت التجارب أنها خارج اهتمامات التقييم من لدن تلك الجهات الرسمية، فالمهم هنا هو توفير أي وظائف بأي أجور والسلام.
وبالنظر إلى مؤشرات نمو الاقتصاد الراهنة، التي تشير إلى نمو إجمالي الاقتصاد الحقيقي غير النفطي للفترة «2000-2010» بمتوسط 4.8 بالمئة، والقطاع الخاص خلال الفترة نفسها بنمو متوسط بلغ 5.3 بالمئة، سنجد أن السياسات الاقتصادية المعمول بها والمقترحة مستقبلاً ملزمة بمواجهة التحديات الكبيرة المتمثلة في النمو القياسي لمخرجات التعليم بصورة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة.
إذ تشير متوسطات نمو مستجدي ومقيدي وخريجي التعليم العالي للفترة نفسها أعلاه إلى بلوغها معدلات أكبر مما هو متحقق لمجمل الاقتصاد والقطاع الخاص الذي يؤمل أن يستوعب الحصة الكبرى من تلك الأعداد المتفقة من قطاع التعليم العالي الآن وفي المستقبل، حيث بلغت تلك المعدلات خلال فترة المقارنة على الترتيب نحو 10 بالمئة و9 بالمئة و6.8 بالمئة.
في الطرف الآخر بسوق العمل يلاحظ أن معدل نمو التوطين فيها للفترة نفسها لم يتجاوز نسبة 2.9 بالمئة (الحكومة 4 بالمئة، الخاص 1.8 بالمئة).
أمام هذه القراءة المقارنة لمعدلات النمو السابقة، نجد أن المطلوب إنجازه يعادل ضعف أو ضعفي ما يتم بذله في الوقت الراهن، وهذه المهمة ليست مقصورة على وزارة العمل فقط، بل يجب على بقية القطاعات الرسمية المبادرة بمساعدتها في هذا الاتجاه، وتقع المسؤولية الأكبر في هذا السياق على وحدات ومنشآت القطاع الخاص.
وهو ما يؤكد هنا على ضرورة تكامل وتجانس السياسات والجهود المبذولة بين كافة الأطراف السابقة في سبيل تعزيز وتطوير أهداف سياسات التوظيف، والتي أصبحت معلومة وواضحة للجميع، لم يتبق إلا أن تؤخذ بجدية والالتزام التام، المنبعث من الإحساس بالمسؤولية الوطنية تجاه الوطن والمجتمع.
إنه لمن اللافت أن المرء البسيط أصبح يشعر ويلمس في واقعه نتائج تلك السياسات الاقتصادية، فيما لا تسمع لأي من الجهات المعنية ذكراً، فعلى الرغم من مرور أربعة عقود من الزمن الطويل، ونحن ندلف اليوم في مطلع العقد الخامس، فإننا لا نرى فرقاً مهماً أو ملفتاً حدث في نسيج أي من تلك السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية والاستثمارية وفي سوق العمل، على الرغم من أن جزءاً كبيراً من نتائج تلك السياسات والبرامج التنموية لم يظهر ما يخالف الأهداف المخطط لها فحسب، بل إنه في بعض الأحيان أدى -بكل أسف- إما إلى تفاقم الأوضاع المستهدفة بالمعالجة، أو إلى خلق مشاكل كنا في غنى عنها، وأمثلة ذلك كثير، فعدم تحقق أي تقدم ملموس على طريق تنويع القاعدة الإنتاجية طوال العقود الأربعة الماضية، أدى إلى استمرار الريال رهينة للدولار الأمريكي، كما أدى إلى ضعف خلق الوظائف لمخرجات التعليم، واكتفى بخلقها للعمالة الوافدة غير الماهرة.
لهذا لا بد من جهود خلاقة ومبتكرة تستهدف إعادة بناء وتأسيس وتوجيه تلك السياسات الاقتصادية، وما تطرقت إليه من نقاش حول المقارنة بين معدلات نمو الاقتصاد ومعدلات التوظيف أو التوطين إلا مثال بسيط جداً على ما نواجهه من اختلالات، ولو امتد الحديث إلى بقية السياسات الاقتصادية فإنك ستجد نفسك أمام ركام ضخم من التباين والخلل الواجب اتخاذ موقف مسؤول ومبادر تجاهه دون لحظة تأخير.

صحيفة الرؤية الاقتصادية الإماراتية: http://alrroya.com/node/172505

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاد سعودي, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

2 تعليقين على: نمو الاقتصاد والتوظيف.. مؤشر للمراجعة

  1. محمد 92 كتب:

    أكثر ما يؤلمني شخصياً، هو أنّنا إلى هذه اللحظة لم نستفد بشكل فعلي من المخزون النفطي الهائل المتواجد في آبارنا. معدّل الدخل القومي والنمو الإقتصادي لا زالا إلى هذه اللحظة يرتفعان و ينخفضان متى ما إرتفع و إنخفض سعر برميل النفط، و في هذا خطر كبير. يجب أن يتمّ إبتداع سياسة إقتصاديّة بشكل آو بآخر تجعلنا قادرين على تسيير وضعنا الإقتصادي بدون إتّكاء هائل على النفط الذي قد ينفذ في أي وقت.

  2. محمد 92 كتب:

    و ما أنسى أتقدّم لك بالشكر الجزيل على كل ما تقدّمه لنا كمتتبعين من مقالات هادفة و إحصائيّات مميّزة دائماً و أبداً.

    أنا طالب بكليّة إدارة الأعمال في إحدى الجامعات الآميركيّة، و أنت – بدون أي مجاملة – كنت أحد الأسباب الرئيسيّة في تعلّقي بمادة الإقتصاد و إختياري لأكون متخصّصاً فيها إلى جانب تخصّصي الأساسي.

    تمنيّاتي لك بالتوفيق، أستاذي القدير.