سوق الأسهم السعودية 2011-2012 (2-2)

أستكملُ هنا الجزء الثاني من رؤية سوق الأسهم السعودية للعام المقبل 2012، وذلك بعد أن استعرضتُ مع القارئ الكريم أبرز التطورات التي حدثتْ خلال العام 2011 في الجزء الأول من هذا المقال.
وقبل أن أستطرد في مستقبل السوق للعام المقبل، لا بد من الإشارة إلى أن التأثيرات الثقيلة علي ألقت بظلالها القاتمة على أداء السوق المالية السعودية طوال الفترة 2006-2011 الماضية، بدءاً من الانهيار الكبير في فبراير 2006، مروراً بالتشدد الكبير في السياسات النقدية نهاية 2007 ومطلع 2008، ثم انفجار الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008 وما خلفته من تداعيات مريرة على الأداء العام للسوق، إلى أن نصل معها إلى تعاملاتها خلال العام 2011، وما حمله من تفاقم لأزمة اليورو تزامن مع تزعزع الاستقرار السياسي في المنطقة العربية.
كل تلك المؤثرات الجوهرية كان أحد نتائجها طويلة الأجل هو استمرار خروج السيولة من السوق السعودية، بصورة انعكست على انخفاضها طوال تلك الفترة بنحو 86 بالمئة!، جزءٌ منها خرج إلى الأسواق المالية العالمية وصلتْ أرقامه المرصودة منذ مطلع 2006 حتى نهاية الربع الأول من 2011 وفقاً لميزان المدفوعات السعودي إلى أكثر من 254.4 مليار ريال (65.4 مليار دولار)، فيما توجه جزء منها ناحية القطاع العقاري بهدف المضاربة وتحقيق هوامش قياسية من الأرباح التي لم ولن تنعكس بأي قيمة مضافة على الاقتصاد الحقيقي، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع مستويات الأسعار في أسعار الأراضي بصورة تجاوزت خلال الفترة ما نسبته 400 بالمئة!، وهو ما ألحق الضرر بالكثير من شرائح المجتمع، وأدى إلى حرمانها من الحصول على المسكن، وسد عليها أغلب سبل وخيارات تمكين رب الأسرة السعودي من بناء أو شراء مسكنه، وصلت تطوراتها إلى حدود خطيرة جداً، نتج عنها في نهاية المطاف أن تدخلت الحكومة -كما أشرت في الجزء الأول من المقال- من أجل معالجة وتصحيح هذا الاختلال الكبير، ويتوقع استمرار جهود الحكومة الجادة من أجل تصحيحها وإعادتها إلى المسار المتفق مع القدرات والإمكانات المادية للفرد السعودي، وبما لا يحول السوق العقارية إلى سوق تغرد خارج سرب الاقتصاد الوطني كما كان سابقاً.

بناءً على ما تقدم، يمكن لنا أن نتصور معاً السيناريو المحتمل للعام المقبل، أنه بافتراض بقاء وقْع الأزمة المالية العالمية على ما هو عليه بين شد وجذب، وعدم قدرة الاقتصاد العالمي على الخروج من نفقها المظلم -تحديداً منطقتي أمريكا الشمالية واليورو- كما هو قائم الآن، واستمرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية واقعة تحت تأثير عدم الاستقرار، هذا على المستوى الخارجي للاقتصاد.
أما على المستوى الداخلي، ستستمر الحكومة السعودية في جهودها التنموية والحيوية متعددة الأغراض، مستفيدة من فوائضها المالية الكبيرة، لعل من أبرزها ترقب إصدار أنظمتها الجديدة المتعلقة بتنظيم سوق الإسكان، والتي ستؤدي إلى دخول القطاع العقاري في موجة زمنية طويلة المدى من التراجع الحاد المرتقب في مستويات الأسعار، الذي بدوره سيتسبب في خروج أجزاء كبيرة من السيولة المضاربية داخله (تقدر بأكثر من 200 مليار ريال)، يتوقع أن تتحول إلى السوق المالية، يؤيد هذا السيناريو في الأجلين القصير والمتوسط تباطؤ جهود خلق وتنويع المزيد من الفرص الاستثمارية البديلة أو المنافسة لسوق العقار والأسهم.
وبالتقاطع مع المستويات الاستثمارية الجاذبة جداً التي وصلت إليها السوق المالية السعودية (مكرر أرباح 11 مكرر، مقارنة بمكرر متوسط للثمانية عشر عاماً الماضية البالغ نحو 19 مكرر)، والحديث الدائر الآن في الأوساط المالية حول احتمالية فتح أبواب السوق السعودية أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، على أنه تجدر الإشارة هنا في هذا الجزء تحديداً إلى أن الكثير من متطلبات وضوابط فتح السوق المالية للأجانب مباشرة، لم تتمكن بعد كل من «هيئة السوق المالية» و«تداول» من تلبيتها بعد!، لعل من أبرز تلك المتطلبات ألا تقل القيمة السوقية للشركة عن 873 مليون دولار أمريكي، وألا يقل نسبة الجزء القابل للتداول من الشركات عن 50 بالمئة، وهو ما ينطبق في الوقت الراهن على 28 شركة فقط، لا تتجاوز نسبتها لقيمة السوقية أكثر من 32 بالمئة، إلا أنه من غير المستبعد أن تتمكن الجهات التنظيمية من معالجة تلك المتطلبات خلال النصف الأول من العام 2012 على أدنى تقدير.
وفي ضوء ما تقدم، وفي حال أحرز الكثير من التقدم وانعكاسه إيجاباً على تعاملات السوق السعودية، فإن هذا بدوره سيعزز كثيراً من احتمالات عودة أجزاء كبيرة من السيولة الاستثمارية للسعوديين، التي خرجت من الاقتصاد المحلي إلى الأسواق المالية الخارجية، والتي تقدر وفقاً لأرقام ميزان المدفوعات السعودي الأخير بأكثر من 245 مليار ريال، كل تلك العوامل الأخيرة من شأنها بكل تأكيد أن تدفع أداء المؤشر العام للسوق إلى الارتفاع بنسب قد تتجاوز 30 بالمئة على أبعد تقدير، مع احتمال أنها قد تتجاوز تلك النسبة إذا ما تدفقت على السوق سيولة أكبر مما هو متوقع، وفي حال واصلت الشركات المساهمة المدرجة في تحقيق المزيد من النمو في هوامش أرباحها ربع السنوية، بما يقنع تلك السيولة بالاستثمار فيها قياساً بتنامي أدائها التشغيلي، ويحافظ بدوره على بقاء مؤشراتها الأساسية في مستويات جاذبة، ويبعدها في الوقت ذاته عن التضخم السعري المبالغ فيه.
كما لا يستبعد استمرار تعاملات السوق بدافع المضاربة البحتة، وهو المتوقع في الوقت الراهن أن تستفتح تعاملاتها للعام الجديد باستمرار وتيرة المضاربات على صورتها الراهنة المرتفعة، المستقرة في مستويات تتراوح بين 50 بالمئة إلى نحو 60 بالمئة من قيمة التداولات، غير أنه مع تدافع التطورات الأساسية المشار إليها أعلاه محلياً وخارجياً، يتوقع أن تبدأ وتيرة المضاربات في الانحسار تدريجياً، وأن تبدأ بالعودة إلى الاستقرار في مستوياتها المعهودة أو المعتادة في السوق بين 30 إلى 40 بالمئة من قيمة التداول، وقد تنخفض أدنى من ذلك كلما زادت تدفقات الأموال الاستثمارية المؤسساتية من الخارج المتوقع أن تكون هي أول من سيُسمح لها بالاستثمار المباشر في السوق السعودية.
أخيراً، قياساً على النيات المعلنة للحكومة تجاه دعم قطاع الإسكان، يُتوقع زيادة الفوائد المحتملة لأغلب القطاعات المرتبطة بهذا القطاع كقطاعات الإسمنت والبناء والتشييد والتطوير العقاري، إضافة إلى القطاعات المرتبطة بزيادة الإنفاق الداخلي والمنخفضة الارتباط بالتأثيرات الخارجية، كالتجزئة والزراعة والصناعات الغذائية والاستثمار الصناعي والفنادق والإعلام والنشر والفنادق والسياحة.
أما بالنسبة لقطاعي البنوك والصناعات البتروكيماوية، والذي كان الأول من أكثر القطاعات خسارة خلال العام 2011 بنحو 13 بالمئة، مقارنة بنحو 5 بالمئة للقطاع الثاني، وذلك على الرغم من التحسن الكبير الذي شهداه على مستوى أرباح الشركات المدرجة في كلا القطاعين، الأول بنمو سنوي وصل إلى 13 بالمئة، والثاني لنحو 40 بالمئة، إلا أن أسعارهما السوقية لم تستجب لها، وذلك بسبب انجذاب ما تبقى من السيولة المدارة في السوق بالتعاملات الهادفة للمضاربة.
لكن من المقدر وفقاً لما تقدم ذكره من تطورات محتملة في العام المقبل أن تتحسن المستويات السعرية لأسهم كل من القطاعين، خصوصاً القطاع البنكي سيدعمها بصورة أكبر استمرار القطاع في عودته لممارسة أدواره التمويلية التي غاب عنها طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وقد يستفيد بصورة أكبر متى أصدرت الحكومة الأنظمة المتعلقة بالرهن العقاري.

صحيفة الرؤية الاقتصادية الإماراتية: http://alrroya.com/node/168337

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أسواق مالية, أهم المقالات, تقارير اقتصادية. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

7 تعليقات على: سوق الأسهم السعودية 2011-2012 (2-2)

  1. هشام كتب:

    رؤية رائعة منك يااستاذ عبد الحميد ,, وللمعلومية لم أعرفك إلا قبل يومين عند إعلان الميزانية فقد شاهدت لقائك على قناة الإخبارية ولقائك الرائع في قناة الدانة ويعلم الله يا أستاذ عبد الحميد أنني ومجموعة من الزملاء دعونا لك في ظهر الغيب بأن الله يجزيك خيرآ على ماقلت وأبرأت به ذمتك فوالله الذي لا إله إلا هو لو أنني مسؤول في الدولة لأخترتك لأعلى المناصب الوزاريةالإقتصادية,

    اسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يبارك فيك وفي رزقك وفي عملك وأن يجعل ما تقول من الحق في ميزان حسناتك

    حفظك الله يا أستاذ أينما تكون

    • شكر الله لك أخي هشام، وجميع الأخوة الزملاء، سائلين الله جميعاً من خالص قلوبنا أن يكتب لبلادنا العظيمة وأهلها الأفاضل الخيّرين الصلاح والسداد والتقدم.
      تفضّل أخي العزيز بقبول وافر تحياتي وتقديري لك شخصياً ولجميع الأخوة الزملاء الأعزاء.

  2. أبو صالح كتب:

    أشكرك على وطنيتك و الواقعية فى طرحك بعيداً عن كل الكلام المستهلك الذى تعودنا سماعه من المسؤولين و بعض الكتاب. المتغيرات اسرع بكثير من الطريقة التى يقاد بها الأقتصاد و المجتمع ككل

  3. ابو علي كتب:

    مبدع يا استاذ عبدالحميد العمري شكرا لك ياعزيزي شكرا لغيرتك على ابناء الوطن والوطن

  4. عبدالله الشهري كتب:

    الاخ عبدالحميد اتمنى لك التوفيق والسداد…استمرارك في نشر الثقافه المحاسبيه امانه اعانك الله على تحمل مسؤوليتها ولكن الله عوضك بحبنا كشعب لكل شريف مثلك…اتمنى منك المزيد انت والاخوة المحللين المنصفين….بكل امانه لم اتابع ولم اعرف الا قلمك الذي يكتب بهالطريقه من عرفت عالم الاقتصاد من زمن طويل….تشرفت بلقاءك يوماما وان شاء الله نلتقي على خير….أخوك

  5. الى الاخ العزيز عبد الحميد اشكرك على كل ما تقدمه من حس وطني من رؤية جميله في ابعادها وقيمة في محتوااهااا كانت لك افكار تستحق ان تسمى بطوق النجاة الاقتصادي لدولتنا الحبيبه البلد يفتخر بك فنحن نحتاج ودولتنا تحتاج لمثلك صادقين لا تفلح مشاريعنا حتى لو تمت دراستها ملايين المراات لان من يقود دفة الاقتصاد لا يحسن القياده يجب اعادة تقييم وزارة الماليه وكافة الشرايين الاقتصاديه والتعليم والصحه ونريد مسااعدتك ياخي عبد الحميد في توصيات بسوق الاسهم لانني لا املك مجالا غيره ولك تحيااتي

  6. ابو علي كتب:

    بارك الله فيك ياعبدالحميد العمري