سوق الأسهم السعودية 2011-2012 (1-2)

أيام قليلة ويقفل سوق الأسهم السعودية تعاملاته خلال العام 2011، ليفتتح بعد ذلك موسمه الجديد للعام 2012، أحاول التركيز في هذين المقالين على أبرز المحركات التي وقفت وراء تحركاته خلال عام مضى، واستطلاع أهم ملامح توجهاته للعام المقبل، والتي يغلب عليها الغموض أكثر من الوضوح، شأنها شأن بقية الأسواق المتقدمة والناشئة، التي تخوض منذ سنوات عدة من عمر الأزمة المالية العالمية عبر فصولها المكتظة بالمخاضات بالغة التعقيد، مرة صدرت إشاراتها السلبية من حوض الولايات المتحدة، ومرات أخرى من حوض منطقة اليورو المنكوبة بارتفاع مديونيات دولها الطرفية، ألقت بضلالها القاتمة كثيراً على بقية أسواق العالم.
الجديد في المشهد العام لتلك المحركات الرئيسة لأسواق منطقة الشرق الأوسط خلال العام المنصرم، هو الحراك العاصف لما سُمي بالربيع العربي! الذي بدأ عاصفاً واستمر عاصفاً وما يزال عاصفاً، اقتلع معه ليس مجرد رؤساء بلدانه التي عبرها حتى الآن، بل لقد تغلغل في عمق أحشاء الوطن العربي بصورة لم تخطر على بال الأغلبية الساحقة، وينتظر أن تزهر نتائجه عاماً بعد عام على أملِ أن تثمر أوطاناً عربية أخرى أكثر إنتاجية وفعالية على مختلف المستويات، نحلم جميعاً أن تنعكس إيجاباً على محيط وواقع الإنسان العربي المعاصر.

من الدائرة الواسعة لمجمل المعطيات المذكورة أعلاه، تدفقت على سوق الأسهم السعودية العديد من المؤثرات التي تدخلت كثيراً في تحديد اتجاهاتها طوال فترات العام، طبعاً حدث ذلك دون إغفال العوامل الاقتصادية والمالية الداخلية، التي أسهمت بدورها -وإن بدرجة أقل- في التأثير في تحديد اتجاه مسار مؤشر السوق المالية، لعل من أبرزها التدابير المالية التي أقرتها الحكومة في نهاية الربع الأول من العام 2011، حينما ضخت نحو 118.3 مليار ريال (5.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي) كدعم للأجور والنفقات الاجتماعية، إضافة إلى إقرارها لنفقات رأسمالية هائلة على قطاع الإسكان، موزعة على سنوات قليلة عدة مقبلة بنحو 282 مليار ريال (13.2 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي)، ليصل مجموع ما تم إقراره إلى أكثر من 400 مليار ريال (18.7 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي).
الملفت أيضاً أنه على الرغم من كل تلك المحفزات المحلية الهائلة لم تتجاوز استجابة السوق المالية لها أكثر من مارس وأبريل فقط، سرعان ما عادت للتراجع، واستمرت تراوح في نطاقاته حتى نهاية العام.
وكما يبدو أن اعتلالاتها الداخلية وتأثرها الأكبر بالمعطيات الخارجية كانا أكبر بكثير من الاستجابة لتلك القرارات المالية والاقتصادية غير المسبوقة.
كما لم تستجب السوق للنمو السنوي الذي تحقق في ربحية الشركات المدرجة الذي بلغ 19 بالمئة، وهو النمو الإيجابي المسجل للعام الثالث على التوالي.
ولم تستجب أيضاً للنمو الحقيقي للاقتصاد المقدر أن يبلغ 6.5 بالمئة عن العام 2011 (القطاع الخاص غير النفطي 5.4 بالمئة)، ولا حتى للنمو الكبير في الإيرادات والنفقات الفعلية الحكومية اللذين يقدر تسجيلهما لنمو سنوي 36 و24 بالمئة على التوالي، بفضل ارتفاع متوسط سعر النفط للعام بنحو 38 بالمئة، كل تلك العوامل الأساسية الإيجابية لم تستطع أن تجذبه نحو الصعود.
في المقابل، شهدنا انجذابه الأقوى للعوامل السلبية الأخرى، ممثلة في استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية، خصوصاً تلك الآتية بوتيرة أكبر من منطقة اليورو. إضافة إلى التطورات السياسية العميقة التي طرأت على المنطقة العربية، وامتدت دون شك تأثيراتها السلبية إلى الشأن الداخلي في السعودية.
حملت النظرة السريعة إلى تعاملات السوق المالية منذ مطلع العام 2011 افتتاح نشاطها خلال الشهرين الأولين منه على تراجعت وصلت إلى خسارة بنحو 20 بالمئة، سرعان ما التقطت أنفاسها بعد إعلانات الحكومة المذكورة أعلاه لتقلص تلك الخسائر، ثم لتحقق مكاسب طفيفة مقارنة بنهاية العام 2010 لم تتجاوز 2 بالمئة بنهاية مايو 2011، سرعان ما عادت بعدها إلى منطقة الخسائر منذ مطلع يونيو، متأثرة بالتطورات السلبية الآتية من منطقة اليورو تحديداً، وما تزال حتى تاريخه، بخسائر تراوحت بين 11 بالمئة كحد أعلى إلى حدود 5 بالمئة كحد أدنى.
لقد ظهر تأثر أداء السوق المالية الكبير بالتطورات السياسية في المنطقة العربية، التي جاءت لتضاف كثقل إضافي إلى حزمة المؤثرات السلبية على كاهل المؤشر من قبل، ممثلة في تداعيات الأزمة المالية العالمية، أدخلته خلال النصف الأول من العام في تذبذبات أشد وتيرة وصلت إلى 30 بالمئة بين أعلى وأدنى مستويات وصل إليها المؤشر، وتعتبر أعلى مما سجله خلال العام 2010 بأكمله، الذي لم يتجاوز 20.7 بالمئة.
الملفت في الأمر على مستوى قيمة التداول، هو عودة السوق السعودي لتسجيله نمواً في قيمه بعد 4 أعوام متوالية من التراجع، وصلت نسبة نموه حتى اليوم لأكثر من 41 بالمئة مقارنة بالعام السابق.
غير أن التفسير الفعلي لذلك الارتفاع يعزا إلى الزيادة المطردة في وتيرة المضاربات، التي تمكنت معها من الاستحواذ على أكثر من 65 بالمئة من قيمة التداولات في النصف الثاني من العام، تركزت في أغلبها وبصورة عنيفة جداً في القطاع المضاربي الأول قطاع التأمين، أدّت ضراوتها إلى تحقق نسب من التذبذبات لم يسبق للسوق المالية أن شهدتها منذ العام 2006، إذ بلغت نسبة التذبذب في سهم شركة «بروج» –على سبيل المثال- المدرج في قطاع التأمين نحو 1258 بالمئة، مرتفعاً من 19 ريالاً للسهم إلى أن بلغ 258 ريالاً في أقل من ستة أشهر.
أخيراً، وكما كان متوقعاً في مطلع العام، فقد جاءت القطاعات الأقل ارتباطاً بالتداعيات الخارجية كأكثر القطاعات ارتفاعاً، وهي: الإعلام والنشر بنمو سنوي بلغ 45.3 بالمئة، ثم قطاع التجزئة بنمو سنوي بلغ 30.5 بالمئة، فقطاع الإسمنت بنمو سنوي بلغ 24.5 بالمئة، وأخيراً قطاع الفنادق والسياحة بنمو سنوي بلغ 23.2 بالمئة.
فيما لم يستطع كل من قطاعي التشييد والبناء والتطوير العقاري اللحاق بأداء تلك القطاعات المعتمدة على الطلب المحلي، غير أنهما من المتوقع أن يكونا ضمن القطاعات الأفضل أداءً خلال العام المقبل، كما سيتم إيضاحه بصورة أكثر تفصيلاً في الجزء الثاني من هذا المقال، وذلك قياساً بتوجهات الإنفاق الحكومي المتوقع أن يكون الأكبر استجابة للدعم الحكومي الكبير لقطاع الإسكان خلال الأعوام الخمسة المقبلة.

صحيفة الرؤية الاقتصادية الإماراتية: http://alrroya.com/node/166949

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أسواق مالية, أهم المقالات, تقارير اقتصادية. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.