قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة أزمة اليورو (2-2)

متابعةً للإجابة على السؤال الأهم الذي يدور في عقول أغلب السعوديين ويشغل بالهم، حول التداعيات المتوقعة لأزمة منطقة اليورو على الاقتصاد الوطني.
بداية، ماذا ينتظر منطقة اليورو المنكوبة؟ التي تبعث حالتها على القلق الشديد، بعد أن خابت التوقعات في نجاح ألمانيا في مزاد سنداتها، ببيع ما قيمته 3.6 مليار يورو تستحق بعد عشر سنوات، واضطرار الحكومة الإيطالية إلى دفع فوائد هائلة على سنداتها البالغة قيمتها 10 مليارات يورو، تجاوزت 6.5 بالمئة تستحق السداد بعد ستة أشهر وهي الأعلى في تاريخ اليورو، مقارنة بسعر فائدة لايزيد على 3.535 بالمئة في أكتوبر الماضي، لتضاف هذه الخيبات إلى الملفات المتفجرة في بقية البلدان الطرفية من منطقة اليورو.
إنها صورة تعكس بجلاء اتساعاً لرقعة أزمة اليورو، حتى الآن تبدو خارجة عن السيطرة، في مقابل تلكؤ أو تنازع دول اليورو على اتخاذ الحلول المناسبة، وفقاً لما تبقى من خيارات متاحة، يشاهد العالم بأسره تقلص مساحاتها شيئاً فشيئاً كلما امتد عمر الأزمة دون اتخاذ قرار جاد.

انحصرت الحلول، وفقاً لنورييل روبيني، في 4 خيارات، الخيار الأول: تخفيف السياسة النقدية، ودعم الملاذ الأخير للإقراض للاقتصادات التي تعاني من نقص السيولة القادرة على سداد ديونها، وخفض قيمة اليورو بشكل حاد، بما يحول العجز في الحساب الجاري إلى فائض، وتوفير الحافز المالي في بلدان مركز منطقة اليورو، غير أن هذا الخيار ترفضه ألمانيا و«البنك المركزي الأوروبي»، لما قد ينتج عنه من ارتفاع في معدلات التضخم.
الخيار الثاني: يتلخص في الانكماش المصحوب بالركود عبر التقشف المالي، والإصلاحات الهيكلية، لتعزيز نمو الإنتاجية وخفض تكاليف وحدة العمل، وخفض القيمة الحقيقية من خلال ضبط الأسعار، بدلاً من تعديل سعر الصرف الاسمي، غير أن هذا الخيار سيصحبه ركود أشد عمقاً في الأجل القصير، إضافة إلى أن الإصلاحات الهيكلية ستؤدي إلى انخفاض الناتج في الأجل القصير، بما يفاقم من معدل البطالة، وإغلاق الشركات الخاسرة، وإعادة توزيع العمالة ورأس المال تدريجياً نحو صناعات جديدة ناشئة.
الخيار الثالث: هو التوقف عن سداد الديون والانسحاب من منطقة اليورو، وهو ما سيمكن البلدان المنسحبة -عبر خفض قيمة عملاتها الوطنية الجديدة- من استعادة نموها الاقتصادي وقدرتها التنافسية.
من الطبيعي أن تفكك منطقة اليورو بهذه الصورة الفوضوية ستكون صدمته أشد وأعنف مما حدث في العام 2008.
أخيراً، الخيار الرابع: المتمثل في إغراء البلدان الطرفية للبقاء ضمن وحدة اليورو المنقوصة، وتحمل الأثقال الشديدة الوطأة المتمثلة في انخفاض النمو وضعف القدرة التنافسية، وذلك مقابل أن تقبل بلدان المركز بخسائر كبيرة في الديون العامة والخاصة، إضافة إلى تحملها لفاتورة التحويلات المالية الهائلة لتعزيز دخل البلدان الطرفية مع ركود ناتجها.
وكما يبدو واضحاً أنه لا خيار من الخيارات المتاحة آنفاً قد حظي بموافقة الجميع، إذ إن أهم سمات أي خيار ستختاره منطقة اليورو يجب أن يستوعب استعادة كل من النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية في الأجل القصير، والقدرة على تحمل الديون، والحد من مستويات العجز المالي والخارجي المزمن عدا ذلك، فإن مصير منطقة اليورو يتجه نحو تفككها وانهيارها تماماً.
وقبل أن أتطرق إلى الاحتمالات التي تواجه الاقتصاد السعودي أمام أزمة اليورو، أود التذكير ببعض ما يربطنا تجارياً واقتصادياً بمنطقة اليورو، إذ تحتل المرتبة الثالثة في سلة صادراتنا للخارج، حيث تستقبل نحو عشر صادراتنا (89.5 مليار ريال للعام 2010)، فيما تعتبر الجهة الثانية في سلة وارداتنا، حيث تستورد السعودية منها نحو 28.3 بالمئة من وارداتها (113.6 مليار ريال للعام 2010)، وهو ما يتجاوز وارداتنا من الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 2.2 مرة، بمعنى أن إجمالي تبادلنا التجاري مع منطقة اليورو، وفقاً لإحصاءات العام 2010، قد بلغ 202.1 مليار ريال، وهو ما يشكل نحو 15.1 بالمئة من إجمالي التبادلات التجارية السعودية، كما بلغت درجة الانفتاح الاقتصادي بين الطرفين نحو 12.1 بالمئة من حجم الاقتصاد السعودي، كما أن منطقة اليورو تستحوذ على خمس كل من الناتج العالمي، ونحو 16 بالمئة من حجم التجارة العالمية، ومنطقة من العالم بهذا الوزن الثقيل ترتبط مع الشركاء التجاريين الرئيسيين للاقتصاد السعودي بروابط تجارية واستثمارية عميقة، كالصين واليابان وشرق آسيا والولايات المتحدة، والتي من شأن أي انكماشات أو أزمات من النوع الراهن لأزمة اليورو، أن تنتقل عدواها المالية إلى تلك المناطق من العالم، ومن الطبيعي جداً أن تنتقل لتؤثر في علاقاتنا التجارية مع تلك المناطق، فالولايات المتحدة تجاوزت تبادلاتها التجارية مع منطقة اليورو خلال 2010 نحو 548.8 مليار دولار (14.5 بالمئة من حجم التبادل التجاري لليورو مع العالم)، ووصل مع الصين -أحد أبرز الشركاء التجاريين للسعودية- إلى نحو 526.5 مليار دولار (13.9 بالمئة من حجم التبادل التجاري لليورو مع العالم)، يمثل نحو 71.5 بالمئة من التبادل التجاري مع الصين صادرات صينية لمنطقة اليورو، بمعنى أن أي انكماش في الناتج في منطقة اليورو سيضر كثيراً الصين، والتي بدورها قد تلجأ إلى خفض وارداتها من النفط السعود، وليس هذا بالطبع إلا جزءاً يسيراً من الاحتمالات السلبية التي قد تنتج عن تفاقم أزمة اليورو.
مع انفجار الأزمة المالية في نهاية العام 2008، تعرضت الصادرات النفطية السعودية إلى انخفاض كبير تجاوزت نسبته خلال العام 2009 نحو 42 بالمئة، وترتب عليه انخفاض هائل في الإيرادات النفطية للحكومة خلال العام نفسه بنحو 55.8 بالمئة (بلغت قيمة الانخفاض 549 مليار ريال).
المهم هنا أن تلك التطورات السلبية للأزمة المالية السابقة أفضت إلى انخفاض معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الكلي إلى 0.6 بالمئة فقط، وخفف حينها زيادة الإنفاق الحكومي من وقع الأزمة المالية على الاقتصاد، كما يلاحظ حتى الآن من تقديرات وتوقعات، أن مزيداً من انفلات أزمة اليورو ودخول الاقتصاد العالمي في موجة من الكساد قد تستمر بضع سنوات، سيتجاوز بتداعياته السلبية على مختلف اقتصادات العالم الكثير مما شهدته بعد الأزمة العالمية السابقة، والتي سيكون من ضمنها الاقتصاد السعودي، فهل ستتمكن المالية الحكومية من تحمل ضغوط تداعيات الأزمة الأوروبية على الاقتصاد الوطني؟ وإلى أي مدى زمني يمكن لها أن تتحمل؟ الأخطر من ذلك، في حال تفككت منطقة اليورو كما يبدو في الأفق الآن، ماذا يحتمل أن تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية إذا حدث مثل هذا السيناريو المخيف، خصوصاً إذا تهاوت قيم العملات الأوروبية الوطنية الجديدة، وارتفعت قيمة الدولار الأمريكي؟ هل ستنتظر الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أن يحدث ذلك إذا تأكد لها؟ وهي التي تمر أيضاً بأزمة لا تقل سوءاً عن الأزمة الأوروبية، فارتفاع الدولار الأمريكي من شأنه أن يلحق بها كوارث اقتصادية ومالية.
أمام هذا التصور الأكثر وضوحاً مما سبق، والذي يشخص العلاقة التجارية بين منطقة اليورو والسعودية مباشرة، والعلاقة غير المباشرة للمنطقة مع أبرز الشركاء التجاريين والاستثماريين للسعودية، كيف لنا أن نقرأ تلك التطورات وما سيتبعها من تداعيات سلبية؟ أنا والجميع نطمح إلى إجابة محددة، ورقمية، ولكن هل هذا بالمقدور في ظل غياب الكثير من البيانات المالية والاقتصادية الأخرى، إذ إنه ليس معلناً حجم الاستثمارات السعودية في منطقة اليورو، ولا أحد يعرف كم تمثل نسبتها من حجم تلك الاستثمارات، وفي حال مثلت نحو عُشر قيمتها على سبيل المثال، فلا شك أنها ستترك آثاراً بالغة التدمير محلياً.
الأمر الآخر، أنه كما هو معلوم أن أغلب تلك الاستثمارات الخارجية للسعودية موجودة في الولايات المتحدة، أمام هذه الحقيقة كيف ستكون النتائج علينا إذا ما استبقت الولايات المتحدة موعد تفكك منطقة اليورو بإجراءات محددة تستهدف منها إبقاء الدولار في مستوياته الضعيفة تاريخياً الآن، أو أن تقدم على إجراءات تزيد من ضعفه بنسب قد تصل إلى 30 بالمئة من قيمته الحالية (التوقعات تشير إلى أن انخفاض قيمة اليورو بنحو 30 بالمئة أحد الحلول المتاحة)، تحت تلك الاحتمالات الواردة والخطيرة..
ما السياسات والإجراءات المرتقب اتخاذها من قبلنا؟ هل من الصحيح البقاء هكذا بانتظار ما قد تتفجر به التطورات سواء من منطقة اليورو أو من الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم أن اتخاذ تدابير استباقية ومبكرة الآن يعد أمراً بالغ الأهمية، كأن تعاد أجزاء كبيرة من تلك الاستثمارات في الخارج إلى الاقتصاد المحلي، أو توجيهها إلى أماكن أكثر أماناً حول العالم، وما هي يا ترى تلك الملاذات الآمنة في عالمنا المتقلب اليوم؟ انتهى هنا لضيق المساحة، وسيكون لي عودة لأهمية هذه القضية.

صحيفة الرؤية الاقتصادية الإماراتية: http://alrroya.com/node/165373

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.