آلية تنفيذ قرارات السعودة

ورقة العمل المُشارك بها في (ورشة عمل القرارات الكريمة في قطاعي العمل والإسكان: الرؤى والآليات)، التي نظتمها كلية الاقتصاد والإدارة بجامعة القصيم – بريدة، بتاريخ 11محرم 1433هـ الموافق 7 ديسمبر 2011م.

مقدمة

تستهدف هذه الورقة استقراء تأثير البرنامج الجديد لوزارة العمل (نطاقات) على الواقع الراهن لسوق العمل السعودية، للتأكد من مدى فاعليته في تحقيق الأهداف النهائية التي أرتأتها القرارات الملكية الكريمة، والتي من أهمها توفير فرص العمل الكريمة للمواطن والمواطنة السعوديين، والقضاء على البطالة تحديداً بين صفوف الفئات الشابّة منهم.

حيث ستستعرض الورقة بدايةً الوضع الراهن لسوق العمل السعودية وفقاً لأحدث الإحصاءات الصادرة عن وزارة العمل (2010م)، ثم تنطلق إلى التعرّف على البرنامج وعلى ماذا يقوم وآلية عمله المقترحة. يلي ذلك محاولة التنبوء بالنتائج المتوقعة حال تطبيق البرنامج، ومعرفة الأبعاد والتأثيرات التي قد تنتج عن تطبيق ذلك البرنامج، سواءً على سوق العمل السعودية بصورةٍ مباشرة، أو على أيّ من بقية القطاعات الحقيقية للاقتصاد السعودي.

أخيراً، الخروج بالتوصيات التي تستهدف دعم أهداف القرارات الملكية الكريمة عبر ما يمكن إحداثه من تطويرٍ وتفعيل ضمن آليات برنامج نطاقات.

واقع سوق العمل السعودية 2010م

أظهرتْ أحدث بيانات صدرت عن وزارة العمل (عام 2010م) ارتفاع معدل السعودة (التوطين) في القطاع الخاص من 9.9 في المئة عن العام 2009م، إلى نحو 10.4 في المئة بنهاية العام 2010م. حيث ارتفع حجم العمالة السعودية في القطاع الخاص بنحو 43.2 ألف عامل خلال عام 2010م ليستقر حجمها عند نحو 724.7 ألف عامل سعودي (669 ألف من الذكور (92.3 في المئة من الإجمالي)، 55.6 ألف من الأناث (7.7 في المئة من الإجمالي))، أي أن حجم العمالة السعودية في القطاع الخاص قد حقق معدل نموٍ سنوي بلغ 6.3 في المئة.

فيما ارتفع حجم العمالة غير السعودية في القطاع الخاص بنحو 52.5 ألف عامل خلال عام 2010م ليستقر حجمها عند نحو 6.3 مليون عامل غير سعودي (6.2 مليون من الذكور (98.6 في المئة من الإجمالي)، 88.4 ألف من الأناث (1.4 في المئة من الإجمالي))، بما يعني أن حجم العمالة غير السعودية في القطاع الخاص قد نما بمعدل نموٍ سنوي بلغ 0.8 في المئة.

وبالنظر إلى قيمة الفاتورة السنوية لأجور العمالة في القطاع الخاص، فقد ارتفعت قيمة فاتورة الأجور السنوية المدفوعة للعمالة السعودية بمعدل نمو سنوي بلغ 17.8 في المئة بنهاية 2010م، لتستقر عند مستوى 30.2 مليار ريال للعام (متوسط شهري 2.5 مليار ريال)، مقارنة بنحو 25.7 مليار ريال للعام المتحققة خلال عام 2009م. أمّا بالنسبة للعمالة غير السعودية فقد سجلت ارتفاعاً أكبر بلغت نسبته 36.1 في المئة بنهاية 2010م، لتتجاوز 78.2 مليار ريال للعام (متوسط شهري 6.5 مليار ريال)، مقارنةً بنحو 57 مليار ريال للعام المتحققة خلال عام 2009م.

هذا وقد تضمنت التغيرات في قيمة فاتورة الأجور السنوية للعمالة في القطاع الخاص ارتفاعاً متفاوتاً في متوسط الأجور الشهرية لكل من العمالة السعودية وغير السعودية؛ حيث ارتفع المتوسط العام للأجور الشهرية للعمالة السعودية بنسبة 10.8 في المائة إلى 3476.76 ريال شهرياً لعام 2010م، مقارنة بنحو 3137.39 ريال شهرياً عن عام 2009م، وارتفع بنسبةٍ أكبر المتوسط العام للأجور الشهرية للعمالة غير السعودية بنسبة 36.1 في المائة إلى نحو 1040.48 ريال شهرياً لعام 2010م، مقارنةً بنحو 764.77 ريال شهرياً عن عام 2009م.

إن الإحصاءات أعلاه تكشف عن عددٍ من الاختلالات الهيكلية في سوق العمل السعودية، ما يتوجب اتخاذ العديد من السياسات العاجلة تجاه أكثر القضايا الحيوية والتنموية التي أتتْ ضمن أولى أولويات خطط التنمية السعودية، وكونها تمس مستويات الرفاهية الاجتماعية التي وضعتها تلك الخطط التنموية نصب عينها طوال العقود الأربعة الماضية، وجاءت نصاً صريحاً ضمن الأهداف العامّة للخطة التنموية الأخيرة، حيث أوضحت استهداف رفع مستوى المعيشة، وتحسين نوعية الحياة، وتوفير فرص العمل للمواطنين، وذلك من خلال تسريع عملية التنمية، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، والتوسع الكمي والنوعي في الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية. وتنمية القوى البشرية ورفع كفاءتها، وزيادة مشاركتها، لتلبية متطلبات الاقتصاد الوطني. كما وضعتها في أولى استراتيجياتها التنموية حيث نصّت على: زيادة إسهام القوى العاملة الوطنية في القطاعات التنموية، والاهتمام بتأهيلها وتدريبها لتحسين إنتاجيتها ورفع كفاءة أدائها، والاستمرار في إحلال العمالة الوطنية محل الوافدة. والاهتمام بشؤون المرأة، وتطوير قدراتها، وإزالة المعوقات أمام مشاركتها في النشاطات التنموية في إطار ما تقضي به القيم والتعاليم الإسلامية.

لهذا يجب أن تأخذ أي من السياسات الاقتصادية في اعتبارها التحديات الجسيمة الكامنة في سوق العمل السعودية؛ كعدم وجود حد أدنى للأجور بصورةٍ عامّة يمكن أن يُساهم في رفع تكلفة العمالة غير السعودية المستقدمة من الخارج، وهو الأمر الذي بدا واضحاً حسب تلك البيانات بانخفاض متوسط الأجور الشهرية للعمالة غير السعودية مقارنة بالعمالة السعودية. وهو ما يتعذّر على المواطن أياً كان أن يقبل به في مواجهة أعباء المعيشة الباهظة والمتزايدة في الوقت الراهن.

هذا عدا ضرورة فرض المزيد من الرقابة والمتابعة على مختلف مؤسسات وشركات القطاع الخاص، في مجال التزامها بسياسات وضوابط السعودة، والتي كما يبدو من الإحصاءات الفعلية أعلاه أن القطاع الخاص قد وجد مساحاتٍ رحبة جداً في اتخاذ ما يحلو له من قرارات وسياسات دون أدنى اعتبار لأي سياساتٍ تتعلق بالسعودة، رغم الدعم اللامحدود الذي وجده ويجده على الدوم من الحكومة، هذا عدا العديد من الامتيازات التي يحظى بها سواءً عبر سهولة التمويل من صناديق التنمية أو عبر إرساء عقودها السخية أو عبر المناخ الاستثماري المنافس إلى حدٍّ بعيد الذي وفرته الدولة له.

1

2

3

أبرز خصائص سوق العمل السعودية

يتسم القطاع الخاص في السعودية بالعديد من الخصائص الواجب أخذها بعين الاعتبار، والذي سيُشكّل تجاهلها تحت أي سيناريو لمعالجة في خلق أزماتٍ اقتصادية أخرى، لعل أبرز تلك الخصائص ما يلي:

1) حقيقة ما أظهرتْه أحدث الإحصاءات المتوافرة محلياً أن عدد منشآت الأعمال في السعودية المشتركة في نظام التأمينات الاجتماعية يصل إلى نحو 218.4 ألف منشأة بنهاية 1430هــ، شكلتْ منها المنشآت الفردية نحو 93.1 في المئة من الإجمالي، والمحدودة نحو 4.7 في المئة، والتضامنية حوالي 0.6 في المئة. تتوزع حسب نشاطها الاقتصادي على ثلاثة أنشطة رئيسة: التجارة بنسبة 34.3 في المئة، والتشييد والبناء بنسبة 32.3 في المئة، والصناعات التحويلية بنسبة 14.6 في المئة، واستحوذت المنشآت الصغيرة التي يعمل بها أقل من خمسة عاملين بالنصيب الأكبر بما نسبته 54.4 في المئة من إجمالي عدد المنشآت، وبلغت الحصة المئوية للمنشآت التي يعمل بها من 5 إلى 59 عامل نحو 42 في المئة، فيما حصلت المنشآت التي يعمل بها أكثر من 60 عاملاً على ما نسبته 3.8 في المئة فقط من إجمالي المنشآت. بناءً على هذه البيانات يتضح أن معظم منشآت الأعمال في السعودية مُصنّفة على أنها منشآت صغيرة الحجم وفقاً لمعيار عدد العمالة، يُقدّر أن تصل مساهمة تلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 33 بالمئة، علماً أنها نسبة منخفضةً جداً مقارنة بمثيلاتها في عددٍ من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حدٍّ سواء، وقد تنخفض أكثر مستقبلاً في ظل البرنامج الجديد كما سأوضح لاحقاً.

2) حقيقة ارتفاع حجم وعدد المشاريع التي تُدار من رأس هرمها إلى قاع قاعدتها من قِبل العمالة الوافدة، وأنه من الملفتْ أن جزءاً كبيراً منها يعمل تحت مظلة ما يُسمّى اقتصادياً بـ "اقتصاد الظل"، أي المنطقة المظلمة وغير المرئية من قبل الأجهزة الرسمية، سواءً تحت مخالفة "التستر التجاري"، أو عبر مؤسسات وشركات "التمثيل التجاري"، أو في ممارسة أنشطة تجارية وخدماتية وصناعية تتمتع بمظلة نظام الاستثمار الأجنبي.

3) حقيقة انخفاض معدلات امتصاص مخرجات التعليم العام والفني والعالي من السعوديين والسعوديات، بصورةٍ أفضتْ فعلياً إلى عاطلين عن العمل تجاوز عددهم حسبما أظهرتْ نتائج التقديم على برنامج حافز، التي أعلنتها وزارة العمل مؤخراً أنهم في حدود 1.5 مليون عاطل.

4) حقيقة أن توظيف جزءٍ كبير ممن قبِل بهم القطاع الخاص المسيطر عليه من العمالة الوافدة؛ لم يكن أكثر من "تلاعب" أو "التفاف" على معدلات السعودة المفروضة نظامياً، ولهذا لو تم البحث بصورة أكثر فعالية فيما وراء نسبة سعودة الوظائف لدى إحدى الشركات التي تزعم أنها تجاوزت 50 في المئة على سبيل المثال، ستكتشف أن حصتها النسبية من الأجور والرواتب قد لا تتجاوز 2 أو 3 في المئة من إجمالي الأجور! كأنها في الحقيقة ليست إلا "تكلفة" إسكات مراقبي ومفتشي وزارة العمل!

ما هو برنامج نطاقات؟

هو برنــامــج يقيـّــــم أداء المنشــآت ويصنـفـهـا إلى نطــاقـــات: ممتــاز و أخضـر و أصفـر و أحمـر. بحيث يكافـيء النطاقيــن الأخضر والممتاز الأعلى توطيناً، ويتعامل بحزم مع الأحمر الأقل توطيناً، ويعطي مهلة أطول للمنشآت في النطاق الأصفر فيصبح بذلك توطين الوظائف ميزة جديدة تسعى إليها المنشآت للتميز والتنافس.

رسم إيضاحي لبرنامج نطاقات

clip_image002[4]

المصدر: وزارة العمل

آلية تقييم البرنامج

نطاقات يقيم أداء المنشآت في التوطين مقارنة بمثيلاتها في نفس النشاط والحجم، فهو يقسّم السوق الى 41 نشاط، وكل نشاط إلى 5 أحجام ليصبح لدينا 205 فئة، تتألف كل فئة من مجموعة منشآت تتشابه في الحجم والنشاط، مما يجعل تقييمها مقارنة بمثيلاتها وتصنيفها الى نطاقات (أحمر، أصفر، أخضر وممتاز) معياراً منصفاً لغالبية المنشآت.

وفقاً لهذا التصنيف، فقد أعتبر غالبية المنشآت (تقريباً 50% منها) محققة لمعدلات توطين جيدة، ورمز لهم البرنامج بالأخضر أوالممتاز، فيما اعتبر البرنامج الأقلية من المنشآت مقصرة في التوطين ورمز لها بالأحمر، والتي ظهر أن عدد تلك المنشآت لم يتجاوز الخُمس من إجمالي عدد المنشآت (نحو 20%). أخيراً، أظهر تصنيف البرنامج وقوع منشآت بين اللونين الأخضر والأحمر، استقرّت في النطاق الأصفر نتحية تحقيقها لنسب توطين متوسطة، ستقوم وزارة العمل بإعطائها حزمةً أقل من الخدمات ومهلة للتعديل.

آلية البرنامج وتقييم الكيان

تعتمد آلية عمل البرنامج على التعامل مع المنشآت (شركات ومؤسسات) بحسب نشاط أو أنشطة المنشأة، فإذا كانت المنشأة تعمل في نشاطين مختلفين كالنقل والتجزئة مثلاً، فإن وزارة العمل ستتعامل مع تلك المنشأة وكأن لها كيانين مستقلين هما كيان النقل وكيان التجزئة بغض النظر عن نشاط المنشأة الرئيسي أو عدد فروعها. فالكيان هو صفة المنشأة الذي ستتعامل معه وزارة العمل والذي يمثل مجموع الفروع المتشابهة في النشاط.

ما هو الكيان؟

الكيان هو صفة المنشأة الذي ستتعامل معه وزارة العمل، ويمثل مجموع الفروع المتشابهة في النشاط، فإذا كانت المنشأة تعمل في نشاطين مختلفين كالنقل والتجزئة مثلا فإن وزارة العمل ستتعامل مع تلك المنشأة وكأن لها كيانين مستقلين هما كيان النقل وكيان التجزئة بغض النظر عن نشاط المنشأة الرئيسي أو عدد فروعها.

آليات التوطين المتبعة

ستتبع وزارة العمل ثلاث آليات للتوطين بناءً على نوع الكيان أو صفة المنشأة كالتالي:

الآلية

الكيانات التابعة لكل آلية

الآلية الأولى:

تقسيم السوق الى 164 فئة (41 نشاطX  4 أحجام) ومن ثم تصنيف المنشآت في كل فئة الى نطاقات (أحمر، أصفر، أخضر وممتازة).

1. كيانات قائمة عدد 10 عمال فأكثر سواء كانت:

صغيرة          10 – 49

متوسطة       50 – 499

كبيرة            500 فأكثر

عملاقة         3000 فأكثر

2. الكيانات حديثة التكوين (بخطاب تأييد أو بدون) بمجرد أن يصبح عدد العمالة اإلجمالية للمنشآة 10 فأكثر. مع ملاحظة أن لون الكيان سيتغير مباشرة ليعكس النطاق (أي يصبح لون الكيان أحمر اذا لم توظف أي سعودي، أو يتغير لونها عند التوظيف حسب النطاقات).

الآلية الثانية:

التصنيف الى نطاقات (أحمر، أضفر، أخضر وممتازة) بغض النظر عن النشاط والحجم.

1. المجمعة (صغيرة، متوسطة وكبيرة) وهي:

الشركات التي لديها كيانات صغيرة جدا (1 – 9) عمال والتي أصبح عدد عمالها 10 أو اكثر بعد جمع عمالة تلك الكيانات الصغيرة جدا التابعة لنفس الشركة.

 

أصحاب المؤسسات الفردية الذين تندرج تحتهم كيانات صغيرة جدا (1-9 عمال) ووصل عدد العمالة لديهم 10 أو اكثر بعد تجميع عمالة تلك الكيانات الصغيرة جدا التابعة لنفس المالك تحت رقم الهوية الوطنية.

الالية الثالثة:

لا تصنف الكيانات حديثة التكوين والتي لديها 9 عمال فأقل إلى نطاقات، ويوجد ضوابط محددة لتقديم الخدمات لتلك الكيانات.

1. الكيانات حديثة التكوين التي لم يصدر لها خطاب تأييد وترغب في الإستفادة من خدمات مكاتب العمل وٕاصدار تأشيرات عمل.

 

2. المجمعة الصغيرة جدا:

الشركات التي لديها كيانات صغيرة جدا (1 – 9 عمال) والتي لم يتعد عدد عمالها 9 بعد تجميع عمالة تلك الكيانات الصغيرة جدا التابعة لنفس الشركة.

 

أصحاب المؤسسات الفردية الذين تندرج تحتهم كيانات صغيرة جداً (1 – 9 عمال) ولم يتعد عدد العمالة لديهم أكثر من 9 بعد تجميع عمالة تلك الكيانات الصغيرة جداً التابعة لنفس المالك تحت رقم الهوية الوطنية.

 

آلية حساب نسبة أداء التوطين (السعودة)

ستعتمد الوزارة في حساب نسبة التوطين على قواعد البيانات لدى وزارة الداخلية والتأمينات الاجتماعية كالتالي:

 

نــــسبة الـــتـــوطــــــــــــين =

متوسط عدد العمالة السعودية

متوسط عدد العمالة السعودية + متوسط عدد العمالة الوافدة

 

* عدد العمالة السعودية = متوسط عدد العمالة السعودية المؤمن عليها في التأمنيات الاجتماعية خلال 3 أشهر الماضية.

* عدد العمالة الوافدة = متوسط عدد العمالة الوافدة خلال 3 أشهر الماضية حسب بيانات وزارة الداخلية.

النتائج الأولية المتوقعة لتطبيق برنامج نطاقات

4

أظهر التطبيق المبدئي لبرنامج نطاقات على واقع سوق العمل السعودية وفقاً لإحصاءات عام 2010م، أن أقصى إمكانياته المحتملة بتوطين فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص قد لا تتجاوز في الأجل المتوسط سقف 305 ألف فرصة وظيفية! وذلك بناءً على دراسة توزيع العمالة حسب النشاط الاقتصادي الذي تضمن 41 نشاطاً، واسقاطه على الواقع الراهن للسوق حسب إحصاءات عام 2010م. وعليه، فإن أقصى إمكانية للبرنامج -وفق هذا التصور المحتمل- لرفع مساهمة العمالة السعودية في القطاع الخاص قد لا تتجاوز معدل 14.7 في المئة، مقارنةً بالمعدل المسجّل حسب إحصاءات عام 2010م الذي لم يتجاوز 10.4 في المئة.

وقد تأتي النتائج الفعلية المتحققة أدنى من لك الرقم المتوقع، حيث أوضحت وزارة العمل -كما سبق أعلاه- أن نحو 50 في المئة من منشآت القطاع الخاص قد تمكنت من تحقيق معدلات توطين جيدة، أهّلتها وفقاً لآلية برنامج نطاقات للدخول إلى النطاقين الأخضر أو الممتاز. فيما تقبع نحو 30 في المئة من تلك المنشآت في النطاق الأصفر، وأخيراً وجدت الوزارة أن نحو 20 في المئة فقط من منشآت القطاع الخاص قد أدرجها برنامج نطاقات في النطاق الأحمر.

لعل من أبرز جوانب الخلل في برنامج نطاقات هو آلية احتسابه لنسبة أداء التوطين (السعودة)، التي تعتمد في تطبيقها على احتساب نسبة إجمالي العمالة السعودية إلى إجمالي العمالة في المنشأة، دون النظر إلى نسب السعودة حسب كل مستوى إداري في منشأة، أو حتى نسبة إجمالي أجور السعوديين والسعوديات إلى إجمالي الأجور المدفوعة من المنشأة.

أهم التوصيات

بدراسة وبحث أوضاع سوق العمل السعودية في القطاع الخاص، واسقاط تطبيقات برنامج نطاقات بآلياته المعلن عنها حتى الآن، أرى أن من أهم التوصيات التي ستساهم في إنجاح جهوده الرامية إلى توفير المزيد من فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات ما يلي:

أولاً - يجب على وزارة العمل أن تواجه الحقيقة المريرة المتمثلة في قضية التلاعب بمعدلات السعودة، خاصةً من قبل المنشآت الكبرى، التي برأيي أنها المتسبب الأول في زيادة الاستقدام، وتقلّص فرص العمل أمام المواطنين، وأن توجد معايير أكثر دقة وصرامة لمعدلات السعودة (التوطين)، وليس كما هو قائمٌ بالصورة التي اعتمد عليها برنامج نطاقات، التي أفضتْ بدورها إلى إتاحة فرصاً واسعة للمنشآت (تحديداً الكبرى منها) للتلاعب بها بصورةٍ مكنتها من احتلال موقعٍ قد لا تستحقه إمّا في النطاق الأخضر أو الممتاز. ولهذا يمكن اقتراح آلية جديدة لمعالجة هذا الخلل الفادح في آلية تحديد معدلات السعودة (التوطين)، الذي يعتمد في الوقت الراهن على (النسبة الكمية)، ليتحول إلى (النسبة النوعية) لتأخذ بعين الاعتبار عاملين مهمين هما: (1) نسب السعودة حسب كل مستوى إداري في منشأة، وليس كما هو قائمٌ الآن الاكتفاء بنسبة عامّة دون تدقيق. (2) نسبة إجمالي أجور السعوديين والسعوديات إلى إجمالي الأجور المدفوعة من المنشأة.

ثانياً – أن تتبنى وزارة العمل مقترحاً جديداً يستهدف نقل تكلفة وعبء البطالة إلى بند تكاليف منشآت القطاع الخاص التي لا تمتثل للمعايير الجديدة لنسب السعودة المشار إلى آليتها أعلاه، يتمثّل هذا النقل (الإجرائي) البسيط لتكاليف وأعباء (البطالة) في فرض ما يمكن تسميته بـ (رسوم السعودة)، وقيام الجهاز الحكومي بتأسيس صندوق مستقل لاستقبال مدفوعاتها (الشهرية) الواردة من منشآت القطاع الخاص المخالفة (يمكن تسميته بصندوق (حافز))، يتم استقطاعها ودفعها للصندوق بنفس آلية دفع مستحقات التقاعد على الموظفين السعوديين، غير أنها في هذه الحالة تحديداً تُدفع بالكامل من الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، دون المساس بريالٍ واحد من كامل أجر العامل المقيم! تبدأ هذه الرسوم من سقفها الأعلى 10 في المئة متدرجةً في الانخفاض حسب درجة التزام أي من تلك الشركات والمؤسسات بنسب السعودة (وفقاً للآلية الجديدة المقترحة المشار إليها أعلاه)، إلى أن تتلاشى بتحقيق النسبة المستهدفة! بل قد تتحول لاحقاً إلى مصدراً مالياً داعماً للمنشأة التي تتجاوز نسبة التزامها النسب المحددة عليها. إن من أهم الاعتبارات والفوائد التي ستنتج عن إضافة هذه الآلية لبرنامج نطاقات، ما يلي:

1) نقل أكبر جزء ممكن من تكلفة انخفاض توظيف العمالة السعودية إلى بنود تكاليف تشغيل القطاع الخاص المُعفى من الكثير من الالتزامات تجاه الدولة والمجتمع.

2) توفير موارد مالية جيدة لتمويل عمليات تدريب وإعادة تأهيل العمالة المواطنة، لمعالجة انخفاض تأهيلهم كما يزعم القطاع الخاص.

3) تجنيب ميزانية الحكومة مزيداً من الأعباء، ونقل الآثار الضاغطة لتمويل (صندوق حافز) إلى القطاع الخاص، من شأنه أن يُعجل كثيراً من خطى توظيف الأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل.

4) يمكن أن يقوم (صندوق حافز) بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة لمن يرغب من أولئك العاطلين عن العمل، في حال قرر أيٌّ منهم تأسيس مشروعاً استثمارياً يعود عليه بالنفع، بما سيساهم في الأجل البعيد في دعم توجهات الاقتصاد الوطني نحو تنويع قاعدته الإنتاجية.

5) يمكن لهذا الصندوق أن يتكفّل بدعم الشركات والمؤسسات التي تتجاوز فيها نسب السعودة المطلوبة منها نظامياً، عبر دفع جزء كبير من أجور العمالة السعودية المتجاوزة للنسب المحددة (كالتي تتأهل إلى النطاق الممتاز). كما يمكن أن تقوم بدفع كامل الأجر في بعض الحالات الخاصة للمؤسسات والشركات الناشئة في بداية تشغيلها، دعماً وتشجيعاً لها للاعتماد على الموارد البشرية الوطنية.

ثالثاً – أن تتوخى وزارة العمل الحذر تجاه المنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي قد يتسبب تشددها مع من لم يتمكّن منها من الوفاء بمتطلبات برنامج نطاقات في افلاسها وانتهاء نشاطها، وبالطبع فإن اتساع دائرة مثل هذه النتائج على نطاقٍ واسع من تلك المنشآت من شأنه أن يؤدي إلى نتائج وخيمة وخطيرة على الاقتصاد الوطني! إذ أنه سيفاقم من أعداد العاطلين عن العمل، وسيؤدي إلى تقليص حظوظ الاقتصاد على طريق تنويع قاعدته الإنتاجية، والذي يعاني بدوره على هذا الصعيد من عدم تحقق الكثير من المنجزات التي استهدفتها جميع خطط التنمية السابقة، إذ لم تتجاوز في أفضل الحالات أكثر من 11.5 في المئة طوال الأربعة عقودٍ الماضية. كما أن اختفاء مثل تلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الأسواق المحلية، سيؤدي لاحقاً إلى تفاقم حالات (الاحتكار) في الاقتصاد الوطني، إذ أن حصصها السوقية المحدودة مقابل الحصص الأكبر للمنشآت الكبرى، والتي كانت بصورةٍ أو بأخرى تعزز من بيئة المنافسة المحلية حسب الأسواق التي تنتمي إليها، ستنتقل فور افلاسها لصالح المنشآت الكبرى، بما سيؤدي إلى تقوية الأسواق الاحتكارية محلياً، المستفيد الأكبر منه ذلك العدد المحدود من المنشآت الكبرى على حساب المصلحة العامّة للاقتصاد الوطني، يأتي في مقدّمة المتضررين بطبيعة الحال المستهلك النهائي.

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات. الأوسمة: , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.