قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة أزمة اليورو (1 – 2)

إنه السؤال رقم واحد والأهم، الذي يدور في عقول أغلب السعوديين، ويشغل بالهم، ما هي تداعيات أزمة اليورو على اقتصادنا الوطني، إذا تفاقمت وخرجت عن السيطرة، وقدّر لها أن تنسف الجهود المستميتة من قبل دولها المغلوبة على أمرها؟ وهو من دون شك السؤال الذي يدور في خلد أغلب سكان العالم اليوم.
فلم تبعث أي من التصريحات الرسمية التي صدرت محلياً، حول هذا الملف المقلق حتى أدنى درجات الاقتناع أو الاطمئنان، فهي اتفقت على محدودية التأثير، ومهما حدث فكل الأمور ستكون تحت السيطرة، واختتمت تلك التصريحات بأننا لسنا في جزيرة معزولة عن العالم. حسناً، أين هي الإحصاءات والبيانات؟ هل يكفي أن نتحدث عن أزمة تريليونية بحجم منطقة اليورو ووزنها الثقيل بمجرد عبارات إنشائية؟ كل ما أتمناه في هذا السياق أن تكون تلك التصريحات لمجرد بث الثقة والطمأنينة فقط، وأن تكون تحت الطاولة جهود فاعلة تتأهب بكل جدية، للتعامل مع أي سيناريو محتمل قد ينفجر في وجه الاقتصاد العالمي، إذا ما حدث وتفاقمت أزمة اليورو بصورة مؤلمة، قد تصل إلى مرحلة كسر العظم، متجاوزة مرحلة الاحتراق التي أحدثتها أزمة أواخر 2008، التي أدت إلى انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 0.7 خلال العام 2009، ولولا السحب على المكشوف من البنوك المركزية، الذي تجاوز 11 تريليون دولار، لكانت نتائج النمو العالمي أسوأ بكثير مما حدث، كما كبّدت تلك الأزمة أسواق المال العالمية أكثر من 35 تريليون دولار كخسائر رأسمالية، إضافة إلى خفضها نحو 15 بالمئة من حجم التجارة العالمية آنذاك، أؤكد أمنياتي ألا نفاجأ لاحقاً، بعد فوات الأوان، بأن ما تحت الطاولة نسخة طبق الأصل لما فوقها.

سريعاً، قبل الاستطراد فيما قد تجره منطقة اليورو من أزمات لاحقة على الاقتصاد العالمي، لنستعرض الآثار التي خلفتها أزمة 2008، والتي نشأت تحديداً، من فوضى الرهن العقاري الذي ورطت العالم فيه الشركات الاستثمارية الأمريكية، مع التذكير بأن سياسات التيسير الكمي التي قادها «الاحتياط الفيدرالي» الأمريكي عالمياً، أسهمت بصورة كبيرة في الحد من تداعيات تلك الأزمة.
بداية تراجع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد، في 2009، إلى نحو 0.6 بالمئة، مقارنة بنحو 4.2 بالمئة للعام 2008، استطاع القطاع الخاص تسجيل نمو حقيقي للعام نفسه بلغ 3.8 بالمئة، مقارنة بنحو 4.3 بالمئة للعام السابق، فيما سجل القطاع النفطي تراجعاً في العام 2009 بلغ 7.6 بالمئة، كما تراجعت الصادرات للعام نفسه، بنحو 38.7 بالمئة، وكان التراجع أكبر في الصادرات النفطية بنحو 42 بالمئة كأكبر نسبة تراجع خلال أربعة عقود مضت من الزمن، وبدورها، الواردات تراجعت أيضاً، بنحو 17 بالمئة، وانخفضت نسبة الحساب الجاري للاقتصاد من 27.7 بالمئة للعام 2008 إلى نحو 6.1 بالمئة خلال 2009، كما تراجع حجم الائتمان البنكي بأكثر من 6.1 بالمئة، ودخل القطاع البنكي في دوامة مواجهة القروض المتعثرة أجبرته على تجنيب أكثر من 25 مليار ريال كمخصصات ائتمانية طوال فترة الأزمة لاحقاً، وانخفض بدوره، المضاعف النقدي إلى أدنى مستوياته عند 4 مرات فقط، ولايزال قريباً من هذا الرقم حتى الزمن الراهن أي عند 4.2 مرة، وكذا الحال بالنسبة لمعدل دوران السيولة في الاقتصاد إلى ما دون 0.7 مرة، ولايزال حتى الآن، من هذا المستوى أي بما يعادل 0.74 مرة.
كان الحصان الأسود محلياً، الذي أسهم كثيراً في التخفيف من حدة الأزمة العالمية، هو الإنفاق الحكومي الذي أسهم للعام نفسه، بنحو 42.2 بالمئة من حجم الاقتصاد الوطني، وهو المعدل الأعلى في منظور عقدين مضيا من الزمن، ولمعرفة محاسنه بدقة أكبر، دعنا نقارن الأرقام الفعلية أعلاه مع التوقعات التي رسمها «صندوق النقد الدولي» للاقتصاد السعودي كتأثر بتداعيات الأزمة المالية العالمية، لقد توقع «الصندوق الدولي» انكماش الاقتصاد السعودي خلال العام 2009 بنحو 0.9 بالمئة، وأن أغلبه سيتأتى من تراجع النمو الحقيقي للقطاع النفطي بنحو 10.3 بالمئة، وتوقع أن يسجل القطاع الخاص نمواً لا يتجاوز 3.3 بالمئة، وبالمقارنة مع الأرقام الفعلية تثبت لنا الأهمية القصوى للدور الذي لعبه الإنفاق الحكومي طوال فترة الأزمة المالية العالمية، لعل أهم ما يشار إليه هنا التزامه حتى الآن، بالاستعداد لإنفاق نحو 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) طوال الفترة 2009 – 2013، والتي ستتركز على برنامج الاستثمار في القطاعين الحكومي والنفطي، وذلك عبر الإنفاق على مشاريع الخدمات الأساسية لتعزيز القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني.
وعليه، فلايزال يحمل على عاتقه بكل تأكيد، الأهمية القصوى نفسها في مواجهة أي احتمالات مقبلة لو ساءت الأوضاع داخل منطقة اليورو، وهذا ما يجب التأكيد عليه الآن وفي كل وقت. أيضاً، لا بد من الإشارة إلى الدور المهم الذي لعبته «مؤسسة النقد العربي السعودي» في الفترة نفسها، معتمدة ضمن المساحة الضيقة التي تبقت لها من استقلالية سياستها النقدية، من خفض لمعدلات الإقراض، والإقراض العكسي، ولنسب الاحتياطات على الودائع تحت الطلب، غير أن ما يمكن القول بأبرز ما قامت به هو قيامها بإنشاء ودائع زمنية لمدد طويلة نسبياً نيابة عن الهيئات والمؤسسات الحكومية (بالريال السعودي والدولار الأمريكي) مع المصارف المحلية، إضافة إلى إجرائها لعمليات عدة لمقايضة النقد الأجنبي مع المصارف المحلية لتوفير السيولة بالدولار لتلبية طلب النظام المصرفي على النقد الأجنبي.
إن الاقتصاد السعودي يستند إلى ملاءة مالية صلبة تتمتع بفوائض جيدة، ومديونية تعد من أدنى المديونيات مقارنة ببقية الاقتصادات الرئيسة، وعلى المستوى الإقليمي لا تتجاوز 6 بالمئة خلال العام الجاري، هذا إضافة إلى الفرص الواعدة محلياً، التي يتمتع بها الاقتصاد، والشراكات التجارية الواسعة مع أغلب الاقتصادات النشطة حول العالم، كل هذا وغيره يصب في مصلحة الاقتصاد السعودي، ويزيد كثيراً من جاذبيته أمام الاستثمارات الأجنبية، وقبل ذلك الأموال الوطنية المهاجرة إلى الخارج التي تتجاوز قيمتها حجم الاقتصاد الوطني 1.5 مرة، خصوصاً في ظل الظروف غير المواتية التي تمر، والمتوقع أن تسلكها تلك الاقتصادات المحتضنة لتلك الاستثمارات المهاجرة في الوقت الراهن.
استغرق الحديث عما سبق من تجربة قاسية مرت على الاقتصاد السعودي كل الجزء الأول من هذا المقال، وهو أمر بالغ الأهمية سيفيدنا جميعاً للاسترشاد بعلاماته في طريق مواجهة أي احتمالات تتعلق بأزمة اليورو الخانقة، التي تستورد منطقته منا نحو عُشر إنتاج النفط، وقبل هذا فهي تشكل خمس كل من الناتج العالمي والتجارة العالمية، ومنطقة، من العالم، بهذا الوزن الثقيل ترتبط مع الشركاء التجاريين الرئيسين للاقتصاد السعودي، كالصين واليابان وشرق آسيا والولايات المتحدة الأمريكية بروابط تجارية واستثمارية عميقة، لا شك أن العدوى بمختلف أشكالها اقتصادياً ومالياً وتجارياً واستثمارياً، ستعلب لعبة الدومينو ضمن حلقات الارتباط تلك، والذي يحتل الاقتصاد السعودي موقعه بالغ الحساسية ضمن حلقاته الرئيسة، سواء كان تجارياً كأكبر مصدر للنفط، أو استثمارياً كواحد من أكبر ملاك الاحتياطات الاستثمارية في الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك التجاري لمنطقة اليورو بنحو خُمس سلة تبادلاتهما التجارية، أو من خلال كونهما الشريكين الاستثماريين الأكبرين ضمن دائرة هائلة من الاستثمارات المتبادلة تفوق أرقامها حسب 2010 سقف 42 تريليون دولار.

صحيفة الرؤية الاقتصادية: http://alrroya.com/node/161673

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

تعليق واحد على: قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة أزمة اليورو (1 – 2)

  1. فيصل كتب:

    ما اعتقد انه فيه مشكلة مع ازمة اليورو بالنسبة للسعودية ممكن تتضرر بعض الشركات مثل سابك اوربا او غيرها. لاتنسى انه حجم تبادلنا التجاري مع اليورو مهو كبير جدا مثل الصين او الولايات المتحدة. اللي ماني عارفة هنا وش اثر تخفيض قيمة عملة اليورو على الدول اللي مرتبطة فيها يعني مثل الكويت. في انتظار الجزء الثاني.