رهانُ المستقبل .. يبدأ من استثمارنا الكفء للذهب الأسود!!

نواصلُ معاً رحلة المكوك "رهان مستقبل الاقتصاد السعودي.. ريالٌ أم إنسان" في محطتها الثالثة، المحطّة الأغلى والأثمن في دورة الحياة الاقتصادية للمجتمعات، التي تبدأ فورتها من مرحلة الطفولة والشباب؛ وتحديداً في حقل التربية والتعليم "المصنع" الذي درجت أدبيات التنمية الإنسانية على تسميته الذهب الأسود للاقتصادات المعاصرة. إنها الكنوز الإنسانية التي تستحق الأفضل قياساً على الإمكانات الاقتصادية الضخمة المتاحة اليوم لنا، إضافةً إلى تأمين احتياجاتها على أفضل درجة من برامج الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي من زمن الحمل والولادة للأم والجنين مروراً بكبد الحياة إلى حين الوفاة. وبالنسبة إلينا, تتمثل تلك الثروة في أكثر من 17.3 مليون نسمة، يتوجها نحو 5.1 مليون طالب وطالبة يتحفزون للنجاح والتقدم والحصول على شهادة علمية للتأهل بجدارةٍ للدخول في سوق العمل وكسب العيش. إنها ثروتنا الإنسانية التي يتنامى عددها وطموحاتها عاماً بعد عام، ومن لطف الأقدار أن اكتشاف منابع تلك الكنوز ليس في حاجةٍ إلى أقمارٍ صناعية أو أجهزة حفرٍ وتنقيب! إنها الكنوز التي تستقر في "مناجم" المجتمعات، ثروةٌ بدأت مرحلة النضوب "الطبيعي" في المجتمعات المتقدمة فيما ما زالت تتدفق بفوائض هائلة في رفيقاتها النامية. ومن عجب الحال أن الأولى اعتادت امتصاص رحيق الثانية ممن حصلوا على التعليم والتأهيل عبر بوابات الهجرة الدولية، لتحافظ المجتمعات المتقدمة على تقدمها بل أكثر من ذلك، وتبقى المجتمعات النامية في سباتها العميق تتمرّغ في مستنقعات التخلّف والجهل. هنا؛ سنكتشف واحدة من أهم الحلقات المفقودة أو قل المتعمد فقدانها في إطار البحث عن أسباب تقدّم أو انحطاط الدول والمجتمعات. حينما بذلت المجتمعات المتقدمة قصارى جهدها على طريق توفير أفضل برامج تأمين الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل وأسرهم والتشريعات المناهضة للاحتكارات الاقتصادية، وضلّت غيرها من المجتمعات طريق التقدّم الحقيقي.

ليس مبالغةً إذا أكّدتُ هنا أن أبواب المستقبل الأفضل ستظل موصدةٌ في وجه أي مجتمع "طحن" هذا الذهب الأسود تحت أي دعوى مهما كانت، وأن أية بدائل للثروة أو الطاقة أو القوة مهما كانت ستذروها الرياح في مهب التاريخ طال الزمان أو قصر، والعبرةُ في سجل التاريخ المعاصر شامخةٌ أكبر من شموخ جبال الهملايا. فها هي مصفوفة الدول النامية في بداية السبعينيات الميلادية "كان يطلق عليها آنذاك دول العالم الثالث" قد خرج أحياؤها دولا كماليزيا وكوريا الجنوبية وبقية أعضاء النمور الآسيوية، بل لقد تفوق بعضها في كفاءة مخرجات التعليم على أغلب أعضاء نادي الدول المتقدمة، كما أظهرته مؤشرات تقرير "نظرة عاجلة على التعليم" لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، الذي فاجأ العالم بحقيقة أن 97 في المائة من المجتمع الكوري ممن تراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً قد أنهوا التعليم الثانوي، وهي النسبة الأعلى بين جميع الدول المتقدمة بما فيها دول أوروبا وأمريكا الشمالية!

بالنسبة لنا كمجتمعٍ يطمح إلى خوض تحدياته الراهنة والمستقبلية وتجاوزها إلى مستويات أعلى في سلم التنمية البشرية والإنسانية، فيجب أن نشدد قبضتنا على معالجة جميع أوجه القصور الموجودة في حقول الصحة والتربية والتعليم وبقية البرامج الاجتماعية ذات العلاقة بالإنسان. القضية أو التحدّي هنا ليس منحصراً فقط في زيادة الإنفاقات المالية على تلك الحقول الحيوية، بل إنها لا تُعد بالنسبة إلينا مشكلة على الإطلاق؛ خاصةً أن نسبة إنفاقنا على حقل التعليم تصل إلى 9.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق مثيلاتها في عدد من الدول المتقدمة والنامية مثل: فرنسا, ألمانيا, إندونيسيا, والفلبين، كما بلغت نسبة الإنفاق على التعليم لدينا أكثر من 25 في المائة من الإنفاق الحكومي، فيما لم تتجاوز هذه النسبة في المتوسط 12.3 في المائة في حالة الدول المتقدمة، ونحو 18.4 في المائة في حالة الدول النامية. التحدّي الأكبر بالنسبة إلينا يتمحور تحديداً حول ضرورة العمل على تحسين ورفع كفاءة الإدارة والإشراف والمتابعة والرقابة المرتبطة بحقل التربية والتعليم، والارتقاء بمستوى وتأهيل العاملين فيه من معلمين ومعلمات، إضافةً إلى إصلاح وتطوير وتنويع المناهج التربوية والتعليمية، ورفع الاعتماد على عامل تكنولوجيا المعلومات في مرتكزات العملية التعليمية، بما يؤهلها لإخراج مخرجات تستطيع التأهل إلى وظائف المستقبل التي تتطلب مهارات عالية في الابتكار والبحث والتطوير. أيضاً يجب العمل على اجتياز معضلة الاختلال القائم في توزيع الطلاب والطالبات على التخصصات العلمية العليا، إذ لا يمكن التفاؤل بمستقبل اقتصاد يطمح إلى تنويع قاعدته الانتاجية فيما لا يتجاوز طلاب التخصصات العلمية والأعمال 17 في المائة من إجمالي التعليم العالي! يجب إعادة بناء منظومتنا التعليمية وفقاً للأبعاد الأربعة التالية: التعلم للعلم، التعلم للعمل، التعلم للعيش مع الآخرين، وأخيراً التعلم للكينونة.

أما في القطاع الصحي؛ فوفقاً لأحدث المؤشرات 2002-2004 لا تتجاوز نسبة الإنفاق على الصحة من الناتج المحلي الإجمالي في القطاع العام أكثر من 3.3 في المائة، وتنخفض بالنسبة إلى القطاع الخاص إلى 1.0 في المائة فقط، فيما لا يتجاوز عدد الأطباء لكل 100 ألف شخص لدينا أكثر من 140 طبيبا، مقارنةً على سبيل المثال بالولايات المتحدة التي تبلغ أرقامها حسب الترتيب 6.6 في المائة للقطاع العام، 8.0 في المائة للقطاع الخاص، و549 طبيبا لكل 100 ألف شخص. والحلقة هنا مرتبطةٌ بسابقتها أعلاه، ولنتساءل جادين كم طبيبا وطبيبة يتخرجون في جامعاتنا مقابل خريجي العلوم الاجتماعية والنظرية الذين اكتظت بهم مرابع البطالة في مجتمعنا؟! إنها حلقاتٌ حيوية مرتبطة جداً ببعضها بعضا، كما أن سلبيات إحداها تتدحرج إلى أختها لتثقل كاهلها، فإيجابياتها أيضاً تنتقل إلى الأخرى لتزيدها قوةً ونماء لا ضعفاً واختلالاً! وقسْ على ذلك في بقية المجالات المجتمعية من آثارها الإيجابية في الحدِّ من تفشي الفقر والبطالة وزيادة معدلات الجريمة وتعاطي المخدرات والوقوع في الرذيلة، التي بدورها تخفف من ضغوط العمل على الجهات العاملة في مجال الضمان الاجتماعي. أؤكد ختاماً أهمية تحقيق أقصى درجات التقدم بأسرع ما يمكن في اتجاهين رئيسين ركز عليهما "تقرير التنمية الإنسانية العربية": الاتجاه الأول: بناء القدرات البشرية الممكَّنة من التوصل إلى مستوى رفاهٍ إنساني راق، وعلى رأسها العيش حياة طويلة وصحية، واكتساب المعرفة، والتمتع بالحرية لجميع البشر دون تمييز.

الاتجاه الثاني: التوظيف الكفء للقدرات البشرية في جميع مجالات النشاط الإنساني، بما فيها الإنتاج وفعاليات المجتمع المدني والسياسة. وإلى لقاء آخر متجدد على طريق المستقبل المنشود، حتى تنتهي رحلة مكوكنا "رهان مستقبل الاقتصاد السعودي.. ريالٌ أم إنسان".

صحيفة الاقتصادية السعودية: http://www.aleqt.com/2006/11/08/article_6928.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف الرأي, المجتمع. الأوسمة: , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.