سياساتنا الاقتصادية.. جمودٌ تحت مظلة «الفزعة»

يُقيّم نجاح أي سياساتٍ اقتصادية من عدمه بناءً على نتائجها المتحققة؛ وتحديداً النتائج التي تنعكس من خلال الاداء الاقتصادي الكلي، لعل من أبرزها النمو الاقتصادي الحقيقي (غير النفطي بالنسبة لنا)، التضخم، معدل البطالة، ميزان المالية العامّة، مستوى الدين العام، التنوع في القاعدة الإنتاجية، الميزان التجاري، ترسيخ المنافسة الكاملة والحد من الاحتكار، كفاءة الاستثمار، إلى آخر مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي. فكلّما أظهرتْ إيجابية في الأجلين المتوسط والطويل على وجه الخصوص، كان مؤدّاها أن السياسات والآليات الحاكمة لمحركّات الاقتصاد الكلي في وضعٍ ملائم ومناسب. أما إذا أظهرتْ نتائج مخالفة للأهداف التي من أجلها أُقرّتْ، فلا شكَّ أنه يعني عدم ملائمتها وضرورة التوقف عن اتباعها، والعمل على إحلال سياساتٍ أخرى أكثر ملائمة للاقتصاد.

تطغى على السطح العام من فترةٍ إلى فترةٍ أخرى قضايا اقتصادية ومالية متعددة، فمرة ترى القوم يهرعون سراعاً إلى حرائق التضخم لإطفائها! ومرةً أخرى ترى الدهشة تعلو الوجوه من هول أعداد العاطلين في موجٍ عظيم من العمالة الوافدة! وقبل أن يفيق الملأ من روعه أمام ما تقدّم، تباغته موجةٌ "تسونامية" من سوق المال تجعله يلتفُّ حول نفسه أياما وأسابيع! سرعان ما يستمع بعدها إلى أنينٍ مخنوق العبرات من ما اصطلح على تسميته بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة. تحت وقْع آلام ما تقدّم؛ ترى الأجساد لا تشعر بوخزات ارتفاع معدلات التسرّب الاقتصادي، وشلل عضلات التنويع الإنتاجي، وجفاف دخل الفقراء، إلى آخر بقية الوخزات والنغزات..

إنه لمن الملفتْ أن المرء البسيط يشعر ويلمس واقعاً "نتائج" تلك السياسات الاقتصادية، فيما لا تسمع لأي من الجهات المعنية ركْزاً! ولا أُبالغ بالقول إن أغلب نتائجها سلبية، بل إن بعضها مريرةٌ جداً على الكاهل الهش لذلك المرء البسيط، تشخصُ بها أوضاعه المادية والمعيشية كأصدق "مؤشرٍ" مقابل مصفوفة المؤشرات التي يستنطقها المختصون والمراقبون! ولا عجب؛ فعلى الرغم من مرور أربعة عقودٍ من الزمن الطويل، ونحن ندلف اليوم في مطلع العقد الخامس، فإننا لا نرى فرقاً مهماً أو ملفتاً حدث في نسيج أي من تلك السياسات والبرامج الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية والاستثمارية وفي سوق العمل، رغم أن جزءاً كبيراً من نتائج تلك السياسات والبرامج التنموية لم يُظهر ما يخالف الأهداف المخطط لها فحسب، بل إنه في بعض الأحيان أدّى –بكل أسف- إمّا إلى تفاقم الأوضاع المستهدفة بالمعالجة، أو إلى خلق مشاكل كنّا في غنى عنها! وأمثلة ذلك كثير؛ فعدم تحقق أي تقدّم ملموس على طريق تنويع القاعدة الإنتاجية طوال الأربعة عقودٍ الماضية، أدّى إلى استمرار الريال رهينةً للدولار الأمريكي، كما أدّى إلى ضعف خلق الوظائف لمخرجات التعليم، واكتفى بخلقها للعمالة الوافدة غير الماهرة! ولا يقفُ الأمر عند هذا الحدِّ؛ فقد أدّى ارتباط الريال بالدولار إلى فقدان السياسة النقدية لاستقلاليتها، ما أفضى إلى شللها التام أمام حرائق التضخم، أو أمام احباط الركود الاقتصادي، وكيف لها ذلك وهي خاضعةٌ بالتمام والكمال للدورة الاقتصادية للاقتصاد الأمريكي وما يُقره مجلس الاحتياطي الفيدرالي من سياساتٍ محددة بناءً عليها. ويطول الحديث كثيراً في هذا الطريق من الأمثلة والحالات التطبيقية التي لا تنتهي مواويلها الحزينة.

يحدث أن يتم تسوية جزء قد يكبر أو يصغر من النتائج غير المرضية لتلك السياسات الاقتصادية من فترةٍ إلى أخرى؛ وذلك عبر قراراتٍ سامية شجاعة وجريئة في إطار استجابةٍ مسؤولة وحانية لما لمسته من تأثيرٍ سلبي لتلك النتائج! وبدلَ أن نشهد ولو تحرّكٍا بسيطا لمراجعة تلك السياسات والبرامج من قبل الجهات القائمة عليها، نفاجأ بأن لا حراك يُذكر على هذا الطريق! فحالة الارتخاء والركون إليها نراها تستمر في جمود غريب الأطوار، بل قد تفاجأ لاحقاً أن تأتي بعض من تلك الجهات القائمة على وضع وتنفيذ تلك السياسات المهترئة، بأن تتجرأ (بنسْبِ) التأثيرات الإيجابية لتلك القرارات السامية لنفسها ولسياساتها وآليات عملها! عجباً وأي عجب. لهذا يستمرُّ بنا وبحالنا وعثاء وشقاء السفر، ولهذا يستمر الجمود والخلود إلى الكسل داخل أروقة تلك الجهات المعنية، فلا تراها تكلّف نفسها حتى أدنى تكليف بالبدء في مراجعة ودراسة جدوى سياساتها وبرامجها من عدمها، خالدةً في قيلولتها تحت المظلة الحانية والأمينة، المتمثلة في قرارات القيادة الرشيدة التي جاءت لتعالج وتخفف من آثار فشل سياسات وبرامج تلك الجهات! أتساءل؛ هل علمتْ أيٌّ من تلك الجهات المسؤولة أنه كلما زادتْ القرارات السامية ارتباطاً بمجال أدوارها ومهامها، أنه عنى في حقيقة الأمر تقصيراً بيّناً في أدائها لمهامها التنفيذية؟!

صحيفة الرياض: http://www.alriyadh.com/2011/04/13/article623206.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف الرأي, رؤية - الرياض. الأوسمة: , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.